الجزائر والتحول السحري من ثورة نوفمبر إلى ثورة البيتزا والشاورما!
الجزائر والتحول السحري من ثورة نوفمبر إلى ثورة البيتزا والشاورما!

ما سأتناوله فـــي هذا المقال الوجيز، ليس تجنيا  على إخواني ولا مبالغة، ولا عرضا تشويهيا الي صورة بلدي الجزائر، التي أعتز وأفتخر بانتمائي اليها ، ولا بحثا عن شهرة مـــن خلال الاستفزاز، ولكنه واقع مرير أوصلنا اليه القائمون على شؤون البلاد … الذين فشلوا فـــي قطاعات مختلفة… أرويه لكم، مـــن خلال رسائل قصيرة  لا تحتاج الى بلاغة كبيرة، ولا الى إزالة تشفير…فهي واضحة وضوح بيت الزجاج.

قبل أن أعيش بالمهجر وأنهم مـــن بعض المعارف ولو على بساطتها، درست فـــي مدارس الجزائر  الغراء أيام هواري بومدين رحمه الله،  وفي جوامعها العريقة قبل أن يظهر  خوارج العصر، وتربيت فـــي أسرة محافظة…وفي غضون ذلك فقد كــــان مـــن أوضح مـــن علموني، أحد المناضلين فـــي حزب الشعب ، حسين بليدة رحمه الله …وخريج الزيتونة، عبد الله خبابه رحمه الله . وقضيت جزءا مـــن عمري فـــي بلادي ، حيث اشتد عظمي، وأعرف أدق التفاصيل عندما كنت هناك…

اليوم وأنا أتابع إحدى برامج قناة النهار الفضائية “على الفاسبوك “، بخصوص  ما يجري فـــي الجزائر… وخارج أسوار دور النشر بالمعرض الدولي للكتاب… لاحظت أن الذين تم استجوابهم  مـــن طرف الصحفي بخصوص اقتناء الكتب، كانت أعينهم مصوبة على الشاورما، عكس الكتب التي مـــن المفترض أن تكون الدافع للذهاب الى المعرض، وهذه حقيقة وواقع يراه الناس، ويعرفه الكتاب وأصحاب دور النشر، والأمر لا يخص الجزائر فحسب، بل يخص الوطن العربي باسره وأمة اقرأ.

وقد أذاعت هذه القناة مـــن قبل عدة برامج، حيث سُئل أحد الشباب عن الكاتبة الجزائرية أحلام مستغانمي، بخصوص اعتزالها الغناء، فأجاب أنه يحمد الله على ذلك… وبدأ فـــي معاتبتها ثم نصحها وهو لا يعرفها أصلا.  وسُئل آخر عن محمد علي كلاي الذي يُسير ولاية العاصمة … وأجاب  إجابات جعلت المتابعين يسقطون أرضا  ضحكا  على الواقع التعيس.  وقد فعلت  القناة نفس الشيء مع نواب المجلس الشعبي الوطني، وكذا مواطنين  حول مفجري الثورة…وأنا هنا لا أتخذ  مـــن قناة النهار معيارا أقيس به  كَذَلِكَ عُلِيَ الْجَانِبُ الْأُخَرَ ربما يتبادر الى أذهان السطحيين، بل أتحدث كون أنني ابن الجزائر وأعرف ما يجري فـــي بلادي، ولو أنني لم أرها منذ 17 سنة.

نعم؛ لقد اِنْتَصَرَ طفل بجائزة القراءة فـــي دبي، وأنتصر آخر بحفظ القرآن، وأنتصر كاتب بجائزة، وآخر بتكريم… ولنا الشرف فـــي ذلك … ولكن: أنا لا أتحدث عن هذه العينات مـــن المجتمع الجزائري، بل أتحدث عن الأغلبية الساحقة، التي مع الأسف لا تقرأ،   وإذا ما قرئت فإنها لا تحسن القراءة، وأصبحت ثورة البيتزا والشاورما هي السيد.

بمعنى أنه لم يعد مكان للكاتب ولا الكتاب مع أننا أمة اقرأ  بقدر ما أصبح المكان للمال والبطن … ويكفي أن نذكر قول الشاعر: رأيت الناس قد مالوا الى مـــن عنده مال ومن لم يكن عنده مال فعنه الناس قد مالوا.

لقد ثار  ثلة مـــن الرجال المخلصين  فـــي الجزائر، ورفضوا تلك الأوضاع البائسة أيام الاستعمار، وضحوا بأنفسهم مـــن أجل تحرير الوطن…واستطاعوا بإمكانيات جدّ محدودة أن يقلبوا المعادلة…ولو أرادوا الأكل والشرب والتمتع بزخرف الحياة الدنيا  ما تحملوا الصعاب ولا خاضوا مسالكها.

للأسف، لم يعد اليوم حديث عن التضحيات والايثار، بقدر ما أصبح الجديـد عن ثورة البيتزا والشاورما، التي غزت الولايات… وقد تفاجأت وأنا أستمع الى أن بعض العائلات التي أعرف عراقتها …لم تعد كَذَلِكَ عُلِيَ الْجَانِبُ الْأُخَرَ كانت، وأصبحت  فيها المرأة تمتطي السيارة بمفردها وتدخل مطاعم البيتزا… بينما أنا أعيش فـــي قلب فرنسا وغيري فـــي دول أخرى … نتجنب الدخول الى المطاعم  الا فـــي حالات السفر أو فـــي حالات خاصة.

عندما اندلعت مجريات الشغب على خلفية إِجْتِماع الجزائر ومصر، بخصوص تصفيات كأس العالم، سمعنا تصريحات غير أخلاقية مـــن بعض المصريين،  والتي أساءت للجزائر وللتاريخ المشترك أوضح الشعبين، قلت حينها للجزائريين:  إذا لم يتحرك الشرفاء ويتداركوا ما يمكن تداركه، فسيأتي اليوم الذي تسمعون فيه ما يندى لـــه الجبين، مـــن جزائريين…وليس مصريين.

لقد استمعت وشاهدت بعيني هذه الأيام ، ما يقوم به جزائريون  على مواقع التواصل، مـــن سب وسخرية واتهام للشعب بشتى الأنواع… ولذلك، نحن اليوم أمام مفارقة كبيرة ، أوضح ثورة نوفمبر التي صنعها الرجال،  وثورة الشاورما والبيتزا فـــي الجزائر التي فعلت فعتها  … ويا رب احفظ الجزائر مـــن المكائد.

 

نورالدين خبابه

المصدر : الجزائر تايمز