في ذكرى المسيرة الخضراء.. هل اقترب الربـاط من ضمّ الصحراء الغربية نهائيًّا؟
في ذكرى المسيرة الخضراء.. هل اقترب الربـاط من ضمّ الصحراء الغربية نهائيًّا؟

فـــي أغسطس (آب) مـــن سَنَة 1974، صـرحت الحكومة الإسبانية عزمها تنظيم استفتاء لتقرير مصير الصحراء الغربية التي كانت ترزح تحت احتلالها؛ نظرًا لتصاعد مقاومة «جبهة البوليساريو» لتواجدها فـــي الصحراء الغربية، تلقَّت هذه الخطوة الإسبانية غضبًا مغربيًّا كبيرًا، تجلَّى فـــي مطالبة المغرب بأحقيتها فـــي الصحراء الغربية؛ ما جعل المغرب تحيل القضية إلى محكمة العدل الدولية، التي أقرَّت بوجود سكانٍ أصليين للصحراء الغربية، ليأتي الردّ المغربي على عزم إسبانيا تنظيم ذلك الاستفتاء، بما سميّ بـ«المسيرة الخضراء»، فـــي الخامس مـــن نوفمبر(تشرين الثاني) سَنَة 1975، قام الملك المغربي الراحل «الحسن الثاني» بتوجيه خطابٍ حاشدٍ للشعب المغربي قائلًا: «غدًا إن شاء الله ستخترق الحدود، غدًا إن شاء الله ستنطلق المسيرة الخضراء، غدًا إن شاء الله ستطؤون طرفًا مـــن أراضيكم، وستلمسون رملًا مـــن رمالكم، وستقبِّلون ثرى مـــن وطنكم العزيز».

بهذا الخطاب شحن الحسن الثاني هِمم المتطوعين المغاربة لتلبية نداء المسيرة الخضراء، لينطلق فصلٌ جديدٌ مـــن فصول الصراع على الصحراء الغربية. فـــي هذا التقرير بمناسبة الذكرى 42 لتلك المسيرة، نعود بك إلى حدث المسيرة الخضراء، وعلى ضوء الصراع أوضح المغرب والبوليساريو، هل اقترب المغرب مـــن ضمّ الصحراء الغربية نهائيًّا؟

ماذا حدث فـــي الصحراء الغربية يوم 5 نوفمبر 1975؟

فـــي صيف سنة 1975، استشعر الملك المغربي السابق الحسن الثاني أنّ الوجود الإسباني فـــي الصحراء الغربية يعيش أيامه النهائية، فجاءت فكرة المسيرة الخضراء لتعزيز موقفه التفاوضي مع إسبانيا التي صـرحت عزمها إجراء استفتاء فـــي الصحراء لتقرير مصيرها، بعد أن أدرجت الأمم المتحدة الصحراء الغربية سنة 1963 فـــي قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي بموجب الفصل 11 مـــن ميثاق المنظمة الأممية.

عمل الملك الحسن الثاني على بلورة فكرته تلك فـــي صمتٍ وكتمانٍ شديدين، فـــي وقـــتٍ أشارت فيه تقارير ووثائق سرية إلى استعانته بالولايات المتحدة الأمريكية فـــي التخطيط للمسيرة الخضراء، إذ صرّح السفير الأمريكي بالجزائر وقتها «ريتشارد باركر» أنه يعتقد أن يكون الحسن الثاني قد حَصَّل الضوء الأخضر مـــن الولايات المتحدة ليستولي على الصحراء الغربية، وذلك خلال اجتماعه مع هنري كيسنجر فـــي صيف 1975. الدور الأمريكي فـــي دعم المسيرة الخضراء للملك الحسن الثاني لم يتوقَّف عند الشارة الخضراء، إذ تفيد إحدى الوثائق الأمريكية أن المسيرة قد خطط لها الحسن الثاني أن تكون عسكريةً؛ نظرًا للمعونات العسكرية الأمريكية التي وصلت الرباط قبل أسابيع مـــن المسيرة، ناهيك عن استنفار 55 ألف جندي مغربي على الحدود مع الصحراء الغربية.

فـــي 16 أكتوبر (تشرين الثاني) ،1975 وفي اليوم الذي صـرحت فيه محكمة العدل الدولية بلاهاي قرارها القاضي بالإقرار بوجود سكان أصليين غير مرتبطين بالمغرب، صـرح الملك الحسن الثاني مخططه لاجتياح الصحراء الغربية معتمدًا فـــي ذلك على قوته العسكرية، لتشرع القوات الملكية المغربية فـــي آخر هذا الشهر فـــي غزو الصحراء الغربية انطلاقًا مـــن أجديرية إلى الفرسية فحوزة وصولًا للعيون الصحراوية، موازاةً مع ذلك قام الملك المغربي خطيبًا وسط المتطوعين المغاربة الذين خرجوا تلبية لنداء الملك لاسترجاع الصحراء الغربية، لتنطلق يوم السادس مـــن نوفمبر (تشرين الثاني) الجموع البشرية التي ناهزت 350 ألف مشارك فـــي الزحف إلى الصحراء، حاملين الأعلام المغربية والمصاحف بأيديهم.

Embed from Getty Images

المغاربة يلوّحون بالعلم المغربي فـــي المسيرة

بينما يصف ممثل جبهة البوليساريو فـــي فرنسا، «السيد أبي بشرايا البشير» يوم 31 أكتوبر 1975 بـ«اليوم الأسود، ليس فـــي تاريخ الشعب الصحراوي فحسب، وإنما فـــي تاريخ المنطقة المغاربية بكاملها، باعتباره عنوانًا للغدر والخيانة المرتكبة بحق شعب صغير ومسالم». مـــن جهته يقول الصحافي بتلفزيون الصحراء الغربية الرسمي «محمد الأمين حمدي» فـــي حديثه لـ«الحياة المصرية» إنّ «المسيرة الخضراء كَذَلِكَ عُلِيَ الْجَانِبُ الْأُخَرَ يسميها المغاربة والمسيرة السوداء عند الصحراويين انطلق بها العاهل المغربي الحسن الثاني، ونسميها فـــي الصحراء الغربية بمسيرة الجياع، وارتكبت فيها العديد مـــن المجازر» حسب المتحدث، و«أنّ سببها هو المشاكل الاجتماعية الكبيرة التي كانت تتخبط بها المغرب آنذاك مـــن بطالةٍ وتهميش، لذلك أصبحنا فـــي الصحراء الغربية نسميها مسيرة الجياع». مِنْ ناحيتة يرى الصحافي المغربي «ياسين الضميري» أنّ «المسيرة تلك كانت مسيرة سلام، والمتطوعون فيها كانوا يحملون القرآن، ولم يُحمل خلالها أي سلاح، تأكيدًا أنها مسيرة سلمية، وأنّها تعتبر إنجاز القرن للمغرب».

وانطلقت المسيرة بقدرٍ كبيرٍ مـــن الانتظام، إذ أطرها ما يوْشَكَ 20 ألف جندي مغربي بقيادة العقيد «محمد الدليمي» ، فعبرت المسيرة الخضراء حدود الصحراء، وسط ردود فعلٍ عالميةٍ وإقليميةٍ متباينةٍ، إذ كانت إسبانيا أكبر المعارضين للمسيرة، وطلبت أجتمـع لقـاء لمجلس الأمـــن لمواجهتها، كَذَلِكَ عُلِيَ الْجَانِبُ الْأُخَرَ صـرحت مـــن خلال مندوبها فـــي مجلس الأمـــن، أن المسيرة الخضراء هي احتلال عسكري بالقوة، ولذلك عملت على تحريك أسطولها البحري إلى المياه الإقليمية المغربية، كَذَلِكَ عُلِيَ الْجَانِبُ الْأُخَرَ قامت بزرع الألغام على مناطق واسعة مـــن الصحراء.

Embed from Getty Images

الآلاف مـــن المغاربة فـــي مسيرة سلمية منظمة مـــن الجيش إلى الصحراء الغربية سنة 1975

بدورها نددت الجزائر وموريتانيا بالخطوة المغربية؛ إذ صرّح ممثل الجزائر لدى الأمم المتحدة الدبلوماسي «محمد بصديقي» أن المسيرة الخضراء لم تكن سلمية كَذَلِكَ عُلِيَ الْجَانِبُ الْأُخَرَ يروّج لها المغرب؛ إذ نتج منها ترحيل آلاف اللاجئين إلى المخيمات بالجزائر، كَذَلِكَ عُلِيَ الْجَانِبُ الْأُخَرَ خلَّفت عدة ضحايا وقتلى ومختفين. جديرٌ بالذكر أن سفير الجزائر والممثل الدائم لها لدى الأمم المتحدة «صبري بوقادوم»، اعتبر تصفية «الاستعمار» بالصحراء الغربية «مسألة عاجلة وحاسمة» لاستقرار المنطقة، مؤكدًا أنه لا يوجد خيار إلا احترام ممارسة الحق فـــي تقرير المصير.

موريتانيا والجزائر.. حجر العثرة أمام استكمال المغرب النجاح فـــي المسيرة الخضراء

كـــان موقف موريتانيا والجزائر المناهض للخطوة المغربية فـــي الصحراء الغربية واضحًا، ففي الوقت الذي كانت تجتاح فيه جحافل المغاربة الأراضي الصحراوية فـــي المسيرة الخضراء، كانت الاتصالات الدبلوماسية الدولية التي قادتها إسبانيا والجزائر وموريتانيا على أعلى نسق، فبعد أن طلبت إسبانيا مـــن مجلس الأمـــن الاجتماع العاجل لدراسة الخطوة المغربية التي اعتبرتها مدريد احتلالًا عسكريًّا لإقليم غير متمتع بالسيادة الوطنية وفق الأمم المتحدة، ومِنْ جَانِبِهَا فَقَدْ كَشَفْتِ الجزائر نفسها مهددة فـــي وحدتها وأمنها القومي نتيجة الصراع التاريخي مع المغرب حول ترسيم الحدود، وقد نتج مـــن المسيرة الخضراء توتر كبير أوضح البلدين تجلى فـــي حصول أول مواجهةٍ عسكريةٍ مغربيةٍ جزائريةٍ بعد «حرب الرمال» فـــي أمغالا يوم 26 يناير (كانون الثاني) سَنَة 1976، استمرت الاشتباكات تلك ثلاثة أيام، وصــرح خلالها المغاربة أنهم أسروا حوالي 100 جندي جزائري، لينتهي الأضطرابات العسكري إثر الوساطة المصرية مـــن ##الـــرئيس المصري «حسني مبارك»، وتحرُّك عدد مـــن الدول العربية لتطويق الأزمة، واستمرت بعدها الحرب الدبلوماسية أوضح البلدين حول القضية، ليتوّج الدعم الجزائري لجبهة البوليساريو بإعلان قيام الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية فـــي 27 فبراير( شباط) سَنَة 1976 مـــن جانبٍ واحدٍ، وتتضاخم قوة الجناح العسكري للبوليساريو ليشرع فـــي «معركة التحرير» ضد المغرب التي استمرت حتى سَنَة 1991.

Embed from Getty Images

وعملت الجزائر موازاةً مع حرب البوليساريو لاسترجاع الصحراء على توفير اعتراف عدد معتبر مـــن الدول بالجمهورية الصحراوية، وصل عددها إلى ما يزيد على 70 اعترافًا. وزادت مـــن الضغط على موريتانيا لتنسحب مـــن«اتفاقية مدريد الثلاثية» التي أعقبت «المسيرة الخضراء»، والتي نصَّت على تقسيم الصحراء الغربية أوضح المغرب وموريتانيا، وتسليم الجزء الموريتاني مـــن الاتفاق إلى البوليساريو، واعتبرت المغرب أن خطوة موريتانيا انقلاب عليها؛ واستمر الدعم الجزائري لقضية الصحراء الغربية على أساس مبدأ دعم الجزائر للتحرر، ونجحت فـــي حجز مقعد للبوليساريو فـــي الاتحاد الإفريقي، ما جعل المغرب ينسحب غاضبًا مـــن الاتحاد.

هل اقترب المغرب مـــن ضمّ الصحراء نهائيًّا؟

عمل المغرب بعدها فـــي صمتٍ على كسر النفوذ الجزائري فـــي إفريقيا؛ فشرع الملك «محمد السادس» فـــي انتهاج سياسة جديدة مبدأها الانفتاح على الدول الإفريقية، والعمل على سحب الدول المعترفة بالبوليساريو اعترافاتها، إضافة إلى عرقلة أي خطوة لإجراء استفتاء تقرير المصير بالصحراء كَذَلِكَ عُلِيَ الْجَانِبُ الْأُخَرَ نصّت عليه الأمم المتحدة، والتي أوفدت مبعوثًا خاصًا بها للصحراء، فنجحت المملكة المغربية فـــي سحب أكثر مـــن 46 اعترافًا دوليًّا بالبوليساريو كممثل شرعي ووحيد للصحراويين، كـــان أَفْضُلُ تلك الدول الساحبة لاعترافها بضغط مـــن المغرب كلًا مـــن الهند، وسوازيلاند، ومدغشقر، وكولومبيا، وتشاد، والباراغواي، وزامبيا، وبوركينا فاسو، ورواندا، وجمايكا فـــي وقـــتٍ باتت البوليساريو تحتفظ بعلاقات علنية مع 34 دولةً فقط.

Embed from Getty Images

الملك محمد السادس

كَذَلِكَ عُلِيَ الْجَانِبُ الْأُخَرَ وصل الضغط المغربي إلى الاتحاد الإفريقي، إذ نجحت المغرب فـــي الرجوع إلى مقعدها بالاتحاد الإفريقي فـــي القمة 28 لـــه، والتي عقدت فـــي كيغالي العام الماضي، رغم معارضة الجزائر وحلفائها لتلك العودة. بدأت المغرب فـــي الضغط مـــن مبنى الاتحاد الإفريقي مـــن أجل تعليق مشاركة البوليساريو فـــي الاتحاد، وقدمت 28 دولةً عضوًا فـــي الاتحاد الإفريقي (مـــن أصل 54 دولة عضوًا) ملتمسًا للرئيس التشادي إدريس ديبي إتنو، بحكمه رئيسًا للاتحاد الإفريقي، تطلب فيه تعليق مشاركة «الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية» فـــي أنشطة الاتحاد وجميع أجهزته، وتوقَّع وزير الشؤون الخارجية المغربي السابق، «صلاح الدين مزوار»، طرد أو تجميد عضوية «الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية»، ونواتها الجبهة الصحراوية لتحرير الساقية ووادي المعدن الأصـفر «البوليساريو» المطالبة بانفصال الصحراء عن المغرب، مـــن منظمة الاتحاد الإفريقي، خاصةً بعد طلب المملكة العودة إلى المنظمة، واعتبر مزوار أن تواجد ما سماه «الجمهورية الصحراوية الوهمي» فـــي منظمة الاتحاد الإفريقي هو «مسألة وقـــتٍ فقط، إذ إن البلدان الإفريقية ذات الوزن السياسي داخل المنظمة الإفريقية لم تعد تؤمن بمستقبل البوليساريو، وتستعد لإبداء موقفها الحاسم مـــن البوليساريو».

اقرأ أيضًا: الجزائر والمغرب فـــي إفريقيا.. صراع الإخوة الأعداء على النفوذ فـــي القارة السمراء

مـــن جهته رصد «الموساوي العجلاوي»، أستاذ التاريخ المعاصر فـــي معهد الدراسات الإفريقية، الصعوبات التي ستواجه جبهة بوليساريو داخل الاتحاد الإفريقي، على اعتبار أن موازين القوى داخل الاتحاد بدأت تتغير إثر تفكك محور «بريتوريا- أبوجا- الجزائر»، فـــي إشارة إلى الحلف الثلاثي المشكل مـــن الجزائر وجنوب إفريقيا ونيجيريا.

وفي غضون ذلك فقد كــــان مجلس الأمـــن، نهاية أبريل (نيسان) الماضي، قد أَبْرَزَ قرار رقم 2351 المتعلق بالصحراء الغربية بالإجماع، وقدَّمت مشروعه الأراضي الأمريكية، والذي تمّ بموجبه تمديد ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء فـــي الصحراء الغربية (مينورسو) حتى 30 مـــن أبريل (نيسان) سَنَة 2018 ، كَذَلِكَ عُلِيَ الْجَانِبُ الْأُخَرَ نوّه مجلس الأمـــن بالشكر إزاء خطوة انسحاب قوات البوليساريو مـــن منطقة الكراكات الحدودية مع موريتانيا، بعد انسحابٍ مماثل مـــن المغرب قبل سنة.

جدير بالذكر أن فيتنام صـرحت فـــي يوليو (تموز) الماضي سحب اعترافها بالجمهورية الصحراوية لتنضمّ إلى عشرات الدول التي أقرت بسيادة المغرب على الصحراء. كَذَلِكَ عُلِيَ الْجَانِبُ الْأُخَرَ جدد بوتفليقة مؤخرًا دعم بلاده لـ «الشعب الصحراوي» فـــي مساره مـــن أجل «حقه فـــي تقرير مصيره من خلال استفتاء حر ونزيه».

اقرأ أيضًا: قضية الصحراء الغربية..أي مستقبل إقليمي على ضوء التقرير الأممي الأخير؟

المصدر : ساسة بوست