«سكك حديد مصر».. خارج القضبان!
«سكك حديد مصر».. خارج القضبان!

قبل أن تقع كوارث جديدة، ويذهب عشرات الضحايا والمصابين ونستمر كثيرًا فـــى البحث عن المقصر والسبب الرئيسى وتسيل الدماء على قضبان، ها نحن ندق «ناقوس خطر» مجدداً بـــشأن قطارات سكة حديد مصر.

وخاضت «الوفد» رحلتين فـــى قطارين، الأولى رحلة فـــى خط المناشى لمدة تقترب مـــن أربع ساعات، والأخرى تخص الغلابة مـــن وجه قبلى فـــى رحلة مـــن رمسيس إلى أسوان، وتسلط «الوفد» الضوء على عدد كبير مـــن السلبيات والكوارث فـــى الرحلتين.

عانت منظومة السكك الحديدية فـــى مصر كثيرًا مـــن الإهمال وعدم التطوير والتأهيل تصل إلى خمسين سَنَةًا ماضية، ولم يحرك أحد ساكنًا، مما جعلها تحتاج أموالًا طائلة، حتى يتم إعادة تأهيلها مرة أخرى وتبقى صالحة للاستخدام المناسب للمواطنين، الذين باتوا معرضين لأخطار كبيرة جدًا بداية مـــن التكدس وعدم إحكام الأبواب، إذا كانت موجودة مـــن الأساس، والشبابيك التى لم تعد موجودة فـــى أغلب القطارات.

احتياج مرفق السكك الحديدية إلى التطوير أكدته تصريحات الدكتور هشام عرفات وزير النقل الذى ذكــر إن الجرارات الموجودة في الوقت الحاليً مر عليها أكثر مـــن 35 عاماً، ومن المفترض أن تعمل فـــى الورش فقط، كَذَلِكَ عُلِيَ الْجَانِبُ الْأُخَرَ أعلـن فـــى لقـاء برئاسة الوزراء الأخير بـــأن خطة تطوير السكك الحديدية تشمل البنية الأساسية والإشارات الإلكترونية بطول 1400 كيلو وبتكلفة 21 مليار جنيه، بينما أن تطوير القطاع بأكمله يحتاج 70 مليار جنيه.

أما تقرير هيئة السكة الحديد الصادر فـــى سبتمبر 2016، فكشف أن إجمالى عدد حوادث القطارات فـــى آخر 5 سنوات وَصَلَ 4777 حادثة، وأسوأها فـــى 2015.

وأَلْمَحَ التقرير المبدئى إلى أن الوجه البحرى والدلتا، كـــان فـــى المرتبة الأولى فـــى عدد حوادث العام الماضى بـ277 حادثة، وجاء الوجه القبلى مـــن المنيا لأسوان بـ205 حوادث، ثم المنطقة المركزية القاهرة وبنى سويف بـ158 حادثة.

أما العام الماضى فشهد عدة حوادث أولها فـــى فبراير، عندما انقلب قطار 933 الإكسبريس وتسبب فـــى إصابة 70 راكبًا فـــى قرية الشناوية بمركز ناصر ببنى سويف، والثانى 11 أغسطس بخروج قطار 80 مـــن على القضبان بعد دخوله التحويلة الفرعية، وأدى إلى إصابة 17 ومصرع 5 ركاب.

وخرج علينا هشام عرفات وزير النقل، ليعلن أن تطوير مرفق السكة الحديد يحتاج لـ45 مليار جنيه، وأن الوزارة قدرت ما تحتاجه لتطوير المرفق جيدًا وأنها ستعمل على إنجازه مـــن خلال عدد مـــن الإجراءات منها القروض الميسرة المتوفرة مـــن البنك الدولى والصندوق الكويتى للتنمية المستخدمة فـــى مشروع تطوير الإشارات الجارى تنفيذها.

وتـابع: أن الوزارة تشرع فـــى تنفيذ خطة تطوير، مـــن خلال تجديد القضبان والإشارات وشراء جرارات جديدة من اجل تَدْعِيمُ قطارات قطاعى نقل الركاب والبضائع، مؤكدًا أن تطوير المرفق واستخدام التكنولوجيا فـــى إدارة المرفق هو السبيل الوحيد لتقليل الأخطاء البشرية وتفادى حوادث القطارات، وأن العالم يلجأ في الوقت الحاليً للتكنولوجيا من أجل مواجهة الأخطاء البشرية.

كَذَلِكَ عُلِيَ الْجَانِبُ الْأُخَرَ سوف يتم الانتهاء مـــن تطوير السكة الحديد خلال 4 سنوات فـــى سَنَة 2021، ويتم الانتهاء مـــن كهرباء إشارات القاهرة الإسكندرية نهاية العام القادم 2018.

 

انطلق مع حفل تَدُشِّينَ قناة السويس

«حلم الخديو».. أصبح مرفق «قتل جماعى»!

 

شأنها شأن القاهرة، التى كـــان يريدها قطعة مـــن باريس، كانت سكك حديد مصر خطوة حضارية حققت بها مصر على يد الخديو إسماعيل سبقاً فـــى أفريقيا والشرق الأوسط، فسكك حديد مصر هى أول خطوط سكك حديد تم إنشاؤها فـــى أفريقيا والشرق الأوسط كله، والثانية على مستوى العالم بعد المملكة المتحدة، حيث بدأ العمل فيها فـــى خمسينيات القرن التاسع عشر حيث تمتد من خلال محافظات مصر مـــن شمالها إلى جنوبها.

بدأ إنشاء أول خط حديدى فـــى مصر يوم 12 يولية سَنَة 1851، وبدأ التشغيل إبان الاحتفالات بافتتاح قناة السويس سَنَة 1854 فـــى عهد الخديو إسماعيل باشا، والمشرف على مشروع بناء السكك الحديدية المصرية آنذاك كـــان المهندس الإنجليزى روبرت ستيفنسون وهو ابن مخترع القاطرة الشهير جورج ستيفنسون.

ويبلغ طول الشبكة الحديدية حوالى 6700كم منها حوالى 4872كم تشكل مجموع أطوال الخطوط الطولى، ويبلغ عدد المحطات والمواقف (الهلتات) ونقط البلوك على الشبكة أكثر مـــن 820 محطة، منها عشرون محطة رئيسية فـــى عواصم المحافظات فـــى الدلتا والقناة والوجه القبلى، وبذلك تربط شبكة السكك الحديدية الوادى مـــن أقصاه إلى أدناه على طول أكثر مـــن 1000كم، وتصل الخطوط الحديدية أوضح معظم المراكز العمرانية والاقتصادية.

ويعمل بسكك حديد مصر 86000 عامل مـــن جميع التخصصات ينتظمون فـــى عدة إدارات فنية مركزية، وتنقسم الهيئة إدارياً إلى سبع مناطق جغرافية تمتد شمالاً وجنوباً وغرباً بامتداد شبكة الخطوط الحديدية، وتضم الهيئة عدداً مـــن الورش الإنتاجية الكبيرة للوفاء باحتياجات ومتطلبات التشغيل مثل الصيانة والتجديد للوحدات المتحركة والمبانى والأثاثات وغيرها، كَذَلِكَ عُلِيَ الْجَانِبُ الْأُخَرَ يتبعها سنترال خاص بها بسعة ألف خط يربط أوضح جميع مراكز النشاط بها مباشرة، كَذَلِكَ عُلِيَ الْجَانِبُ الْأُخَرَ أن لدى الهيئة مطبعتها التى تمدها باحتياجاتها مـــن المطبوعات كَذَلِكَ عُلِيَ الْجَانِبُ الْأُخَرَ تعمل أحياناً تجارياً لحساب الغير.

ويواجه قطارات السكك الحديدية ضغطاً شديداً حيث يفضلها المواطنون خاصة فـــى المحافظات البعيدة، وفى المقابل فإن أعداد ضحايا حوادث القطارات تتزايد ومنذ 5 سنوات فقط لقى ما يقرب مـــن 5 آلاف شخص حَتْفُهُمْ على القضبان!! فتحولت بذلك السكك الحديدية مـــن حلم بالتحضر ومنافسة دول أوروبا فـــى تطوير وسائل النقل إلى أداة قتل جماعى ضحاياها بالآلاف!!

 

36 محطة وعشرات المزلقانات دون «عسكرى واحد»

4 ساعات موت بطىء فـــى «قطار المناشى»

 

 

مئات الركاب، أغلبهم مـــن الفئات البسيطة والفقيرة، يركبون القطار لرخص ثمنه فـــى رحلة الذهاب إلى «مصر» كَذَلِكَ عُلِيَ الْجَانِبُ الْأُخَرَ يطلقون عليها.

محطة رمسيس بالقاهرة، وسط البلد والعتبة والسبتية هى مقاصدهم ليبيعوا فيها بضاعتهم أو يمارسوا عملهم البسيط، وفى نهاية اليوم يعودون إلى قراهم بعيداً عن استغلال سائقى «الميكروباص» وزحمة المواصلات ولكنهم يواجهون مشاكل كثيرة مختلفة.

رجال ونساء يرتدون الجلاليب ويحملون فوق رؤوسهم وفى أيديهم بضاعتهم واحتياجاتهم يهربون مـــن غلاء المواصلات الخاصة والتكدس المرورى القاتل فـــى أغلب الطرق، ويلجأون لقطار المناشى ليوفروا جنيهات قليلة يكملون بها باقى مسيرة اليوم.

ولكنهم لا يعلمون أن قطار الموت هذا مـــن الممكن ألا يوصلهم إلى منازلهم أو ربما يعلمون.. لكن ما باليد حيلة.

ذهبت «الوفد» فـــى العاشرة صباحا إلى رصيف 11 وهو آخر رصيف فـــى محطة سكة حديد مصر والمخصص لركاب قطار المناشى، ووجدنا فـــى واجهة شباك التذاكر ورقة كتبت منذ ثلاث سنوات على الأرجح، وبخط اليد، لا تفهم منها شيئا،

مـــن المفترض أنها تعلن عن أرقام القطارات وأوقات انطلاقها.

وبعد سؤال عمال داخل «الكشك» أكدوا أن القطار القادم سينطلق فـــى العاشرة والنصف.

دقائق وبدأ عشرات الركاب يتدفقون على الرصيف، انتظرنا حتى دقت الساعة الحادية عشرة إلا الربع حتى دخل القطار رصيف المحطة، وفي غضون ذلك فقد كــــان أول الصاعدين إلى القطار عمال النظافة مما يجعلك تشعر بالأمل لوهلة، خمس عاملات للنظافة.. لكل عربة عاملة مخصصة لنظافتها ولكن جميعهن صعدن إلى القطار وعقب نزولهن كأن شيئا لم يتغير وظل القطار محملا بالقمامة التى حملها أسفل الكراسى وداخل الحمامات.

قطار المناشى يتخذ اسمه مـــن إحدى المحطات التى يمر بها، هو قطار غير آدمى بالمرة، مكون مـــن خمس عربات أكثر مـــن متهالكة، بعد أن باتت لا يمكن استخدامها فـــى خطوط طنطا والزقازيق وغيرها.

جاءوا بهذه العربات إلى الغلابة والمساكين فـــى خط المناشى ستجد كل عربة فـــى القطار لها شكل مختلف ونظام للكراسى غير التى تليها ومكتوب على طرفها محافظة ومدينة مختلفة، تشترك فقط بينما بينها فـــى أن جميع العربات لا تصلح للسير خطوة واحدة، ودون شبابيك أو أبواب، حتى الحمامات لا تصلح لأى شىء، ومليئة بالروائح والقمامة، وحتى إذا صلحت لن تجد بابا تغلقه عليك لتستخدم بيت الراحة، وستجبر على استخدامه دون أبواب نظرا لطول المسافة.

بدأت الرحلة فـــى غضون الحادية عشرة بعد تأخر موعد انطلاق القطار نصف ساعة كاملة مما جعل الركاب يتململون للغاية وتمنوا لو قاموا باستقلال وسيلة أخرى توفيرا للوقت الذى ضاع منه نصف ساعة.

ومن يعلم ما الذى سيضيع بعد ذلك؟ آخرون لم يظهر عليهم الانزعاج بعد تأكيدهم لنا أن هذا التأخير طبيعى جدا بالنسبة لخط المناشى، وأن أغلب القطارات تتأخر بهذا الشكل.

تندهش عندما تعرف أن ثمن تذكرة هذا الخط كاملا وحتى الوصول إلى آخر محطاته 3 جنيهات ونصف الجنيه، إذا استقللت الخط مـــن أوله إلى آخره وإذا كـــان مكان وصولك لا يتعدى 4 محطات فقط أو حتى نصف المسافة ستدفع جنيها ونصف الجنيه فقط.

وسريعا وصلنا إلى أول المحطات بمنطقة إمبابة لتجد الكوارث مجرد نظرك فقط مـــن داخل القاطر، باعة يجلسون على الأرصفة بمحطة إمبابة قريبا جدا مـــن أماكن سير القطار، ولا تعرف كيف لا يخافون على أرواحهم بهذه الطريقة، وأين الشرطة والأمن مـــن هذا؟

يتراوح الزمن الذى يقطعه القطار مـــن محطة إلى أخرى أوضح 5 و7 دقائق تقريبا، إذا من خلال فـــى طريقه الطبيعى دون انتظار القطارات المقابلة أو الأعطال والمشاكل وما شابه، وفى كل محطة تجد هجوما جديدا على الأبواب مـــن الركاب المنتظرين على مختلف المحطات مما جعل القطار يزدحم بشكل مريب، ولا تجد موطئ قدم واحدة تقف عليها داخل القطار.

شباب اخترعوا أماكن جلوس جديدة هربا مـــن الازدحام الخانق داخل القطار، يقضون رحلتهم كاملة وهم يجلسون فـــى الهواء الطلق أعلى عربات القطار، وعلى الأبواب التى لا توجد مـــن الأساس، وفى طرف العربة النهائية يديرون وجوههم إلى الهواء والقضبان وفى الحد الفاصل الرابط أوضح الجرار والعربات، تندهش عندما تراهم ولا تعرف كيف جاءتهم هذه الجرأة ليتحملوا السرعة الجنونية للقطار أثناء سيره وهم جالسين وواقفين هكذا.

لا يوجد فـــى عربات القطار الخمس مصباح إضاءة واحد، الأمر الذى يجعلك لا ترى مترا واحدا أمامك فـــى عز الظهر، فما بالك بسير هذا القطار ليلا؟ وماذا يشعر الركاب فـــى الرحلات الليلية؟ ورغم كل هذا الاختناق والازدحام لا يراعى المدخنون أحدا، تجلس وكأنك فـــى «غرزة» يعتمدون على أن القطار لا يوجد به شباك واحد ويدخنون كَذَلِكَ عُلِيَ الْجَانِبُ الْأُخَرَ يشاءون فـــى نصف القطار وبجوار الركاب دون مراعاة الأطفال وكبار السن.

مررنا سريعا لا تعرف كيف بهذا القطار المتهالك على محطات بشتيل وبشتيل البلد والكوم الأحمر وأوسيم وبرطس والجلاتمة ومنطقة المناشى، والذى سمى الخط باسمها، وذات الكوم ونكلا وبرقاش ووجدنا محطة أوسيم يتم إعادة تأهيلها فـــى الوقت الحالى دون أن تكتمل بعد.

«بخاف أطلع بالليل لو معايا أهلى وحتى لوحدى».. هكذا ذكــر لنا محمود إبراهيم، أحد الركاب موضحا أن إمبابة لا توجد بها إنارة كافية أو أمن ليلا ويخشى أن يركب هذا القطار بسبب البلطجية والحرامية، مؤكدا أن قطار المناشى لا يعرف لـــه أحد موعداً، فقط تخرج مـــن بيتك وتجلس على الرصيف وتنتظره إلى أن يأتى وأن أقل مدة ينتظره فيها هى ساعة إلا ربع وينتظره غالبا أكثر مـــن ساعتين.

ويؤكد محمود أن جميع القطارات يتم تجديدها وتغيير الجرار الخاص بها وصيانتها عدا قطار المناشى، لأن أهل جميع المناطق التى يمر بها مـــن الغلابة والبسطاء.

 مشيرا إلى أنه لا يمر يوم إلا وتسمع أن هذا القطار تسبب فـــى موت أو إصابة شخص بسبب الإهمال فـــى المزلقانات أو داخل القطار نفسه.

وصلنا إلى محطة «القطا» و«القطا البلد» ثم بعد ذلك الجزيرة الوسطانية وأبوغالب ووردان وبنى سلامة والخطاطبة والأخماس وفى كل محطة تأتى تزداد مظاهر الفقر معها واحتياج المحطة والقرى التى تمر عليها وكأن المسئولين لا يعرفون جيدا أن أهالى هذه البلدان مـــن البسطاء وبالتالى لا يهم مـــن الأساس رفع مستوى القطارات والمحطات.

انتهت نصف الرحلة تقريبا، ولم يمر محصل التذاكر سوى مرتين فقط، لا تدرى أنه لا يقدر على المرور وسط هذا الازدحام أو يتكاسل عن عمله ولكنه عمل فـــى النهاية مكلف به، ويجب أن ينتهى منه مقابل ما تدفعه لـــه الدولة وتأخذه مـــن ضرائب المواطنين.

«حالات تحرش كتير اوى بتحصل وسرقة»، بهذه العبارة يستهل على إبراهيم، 45 عاما، أحد الركاب، حديثه موضحا أنه يستقل قطار المناشى منذ ما يقرب مـــن 15 عاما ولم ير فـــى أى مـــن المحطات أو حتى القطار تجديدا أو إعادة هيكلة، إضافة إلى أنه وقعت أكثر مـــن حالة تحرش فـــى كل رحلة، قائلا: محطة أوسيم مثلا بيجددوا فيها منذ 3 سنوات ومخلصتش لحد دلوقتى، كل شوية تلاقى واحد أو واحدة بتصوت فـــى حاجة منها اتسرقت.

وذكـر عامل المزلقان الخاص بمحطة أوسيم إنه فـــى أوقات كثيرة يقوم المواطنون باختراق المزلقان والمرور مـــن أسفل القائم الموجود ليعبروا طريقهم رغم اقتراب القطار مـــن المزلقان وسماع صوت جرس الإنذار باقتراب القطار قائلا: أوسيم بلد ريفية ويمر أغلب الفلاحين بالماشية الخاصة بهم وبالتالى تزيد الكارثة إذا سيطر على نفسه مـــن الصعوبة أن يسيطر على الحيوانات التى يسير بها خصوصا أنها تفزع عند سماع صوت القطار.

شارفت الرحلة على الانتهاء بعد أن مررنا بمحطة الطرانة وكفر داود والبريجات ومديرية التحرير وأبوالخاوى وصولا إلى محطة الطيرية والطيرية البلد، والاتحاد ومنشأة أبورية وواقد ولم تقابل «الوفد» جنديا واحدا طوال الرحلة أو أمين شـــرطة رغم أن القطار يشهد العشرات مـــن المشادات الكلامية والى تتطور إلى اشتباكات بالأيدى بسبب الازدحام، ناهيك عن السرقات والتحرش.

«بنستخبى مـــن العيال بيحدفوا بالطوب».. قالها برعب إبراهيم السيد، مؤكدا أن طلاب المدارس فـــى محطة بشتيل وأبوغالب يقذفون الركاب بالطوب عقب هروبهم مـــن المدارس، قائلا: الناس أول ما بتشوف أطفال واقفة بتستخبى تحت الشباك عشان متجيش حاجة فيهم.

وأثناء مرورنا بمحطة كفر بولين وكوم حمادة والنقيدى وصفط العنب وقليشان، انتهت الرحلة فـــى محطة القطار النهائية إيتاى البارود ولاحظنا وجود أكثر مـــن سوق قريب جدا مـــن مزلقانات يمر بها القطار منها إمبابة وبرطس وكوم حمادة، الأمر الذى ينذر بكارثة إذا اقترب منهم القطار أو انحرف قليلا.

انتهت الرحلة بعد أن مر القطار على 36 محطة، أولها رمسيس بالقاهرة وآخرها إيتاى البارود فـــى البحيرة، فـــي رحلة طولها ما يقرب مـــن120 كيلو مترا، قطعها القطار فـــى أربع ساعات، لا يقف كل قطار بكل هذه المحطات بل يتم تحديد المحطات التى يقف بها كل قطار مـــن قبل هيئة سكة حديد مصر.

وفي رحلة العودة ليلًا تجد القطار أكثر هدوءًا، ولا يتسم بالازدحام، ولكن الوضع يزداد سوءًا بسبب الظلام الدامس الذي يقابلك فـــي أغلب عربات القطار، وعلى أكثر مـــن محطة قطار، إضافة إلى عدم وجود الأمـــن والشرطة، مما يجعلك تترقب كثيرًا وتخاف مـــن سرقتك، أو الاستيلاء عليك كاملًا لمساومة أهلك أو لبيع أعضائك، ولن يسمع لك صوتًا واحدًا وسط الهدوء والظلام التام فـــي كافة القطار.

 

خبير نقل: تطوير المزلقانات لوقف نزيف الدم

 

«خطة استراتيجية» وضعها إبراهيم مبروك، أستاذ هندسة النقل والمرور بجامعة الأزهر، مؤكدًا أن السكة الحديد تعانى بشكل واضح الكثير مـــن الأمور مما يستوجب خطة استراتيجية لحل المشاكل، أولها معرفة أين نحن وما نريد أن نكون عليه، ونقوم بوضع خطة على ذلك يسير عليها ويتابعها وزير النقل، وما يليه إذا تم الاستغناء عنه، على أن يتم إدراج توقيتات محددة وما يربطها بالأموال.

أَلْمَحَ «مبروك»، فـــى تصريحات لـ«الوفد»، إلى أن الخطة يجب أن تبدأ بالتحسينات والتجهيزات اللازمة للسكة الحديد منها المزلقانات والإشارات وتجهيز المحطات، إضافة إلى تمريـن دورى لجميع العاملين حتى يعملوا بوعى كامل، وتكون فرص الحوادث أقل كثيرَا، مشيرًا إلى ضرورة ميكنة المزلقانات حتى لا يتدخل فيها الانسان غضونًا ويكون العمل فيها بشكل تكنولوجى كامل، فضلًا عن التخلص مـــن جميع المزلقانات العشوائية والمصنوعة بشكل يدوى مـــن قبل الأهالى والمواطنين، والتى يقترب عددها مـــن 200 مزلقان، يستخدمها المواطنون لقضاء حاجتهم من خلال المرور مـــن خلالها.

وتـابع أنه مـــن الضرورى أن يتم إدراج عدد مـــن «المطبات» قبل كل مزلقان حتى يمر المواطنون والسيارات بشكل بطيء ويعى السائق ما يقابله، ومن الضرورى أيضاً إدخال عدد مـــن الشركات الخاصة للمساهمة فـــى هذا القطاع الضَّخْمُ وَالشَّاسِعُ، والاستفادة مـــن إِخْتِبَار اليابان فـــى هذا الملف، والتى أدخلت 12 شركة خاصة فـــى قطاع النقل الخاص بها، قائلًا: «صحيح ذلك سيؤدى إلى زِيَادَةُ ثمن التذكرة ولكن سيؤمن حياة المواطنين ويحسن الخدمة بشكل كبير».

 

رئيس الهيئة الأسبق: نحتاج استثمارات ضخمة

 

ذكــر سمير نوار، رئيس هيئة السكة الحديد الأسبق، إنه مـــن حق المصريين أن يحلموا بشكل أوسع مـــن مجرد تطوير الإشارات وخطوط السكك الحديدية فقط، وإنه ليس مـــن المستحيل بالتزامن مع العمل والاجتهاد أن نصل إلى القطارات فائقة السرعة والتكنولوجيا الضخمة التى ظهرت فـــى دول عربية وخليجية شقيقة، مؤكدًا أن سكة حديد مصر تحتاج إلى استثمارات قوية للغاية، وتدخل كبير مـــن الدولة حتى يتم النهوض بهذا الملف.

«قطاعات منذ 50 سَنَةًا» أوضح نوار، فـــى تصريحات لـ«الوفد»، أن هناك أنظمة وقطاعات بالسكة الحديد لم يتم تحديثها أو النظر إليها منذ أن تم إنشاؤها مـــن 50 سنة وأكثر، وأن القطاع يحتاج إلى قدرة جمة وإمكانيات مادية طائلة، خاصة وأن هناك عجزاً فـــى إيرادات ومصروفات السكة الحديد، موضحًا بأنه بالإضافة إلى تطوير الإشارات والبنية الأساسية، يجب أن يتم الارتفاع والتوسع الأفقى وإدراج خطوط جديدة دون الاكتفاء بالخطوط الموجودة، لأن الخطوط القديمة تم تدشينها عندما كـــان التعداد السكانى أقل مـــن ذلك بكثير وعندما أصبح عدد السكان أكثر مـــن 100 مليون نسمة، كيف لهم أن يستخدموا نفس الخطوط، وبالتالى على الدولة تسخير جزء كبير مـــن احتياجات السكك الحديدة لأنه بات يخدم قطاعاً كبيراً مـــن المواطنين ويجب الحفاظ على حياتهم.

 

تحرش وسرقات وأسلحة ومخدرات وتسول .. المعذبون فـــى «قشاش الصعيد»

 

 

مـــن الصعب أن تعثر على مواطن يمتدح حالة قطارات الصعيد؛ بسبب كثرة الحوادث والمخاطر والمشكلات التى يمر بها هذا الخط الحديدى. فالأهالى يعانون ويذهبون ضحايا للإهمال المنتشر فـــى القطارات رغم الحياة المأساوية.

تجولت كـــاميرا «الوفد» فـــى محطة السكة الحديد بالقاهرة، والتى يبدأ خط سير قطارات الصعيد منها، وينتهى عند «أسوان».

عند دخولنا إلى محطة مصر يجذبك المنظر الرائع التراثى للمحطة؛ حيث يوجد فـــى وسط صالة المحطة دائرة تشبه اللوحة الفنية يتوسطها مثلث رائع المنظر وصندوق يصف جمال القاهرة وحضارتها.

وعندما اتجهنا إلى رصيف «11» لنركب قطار الصعيد الدرجة الثانية مميز والذى يسمى بقطار (الفقراء أو الغلابة) سرعان ما تغير الحال.. فوصولنا للرصيف يحتاح إلى النزول مـــن نفق شديد الازدحام، حيث يجر المسافرون أمتعتهم الثقيلة على درجات السلم فـــى تعب ومشقة.

عند وصولنا إلى الرصيف شاهدنا اصطفاف مئات الأشخاص ينتظرون وصول القطار، وكأنهم فـــى حالة مـــن الذهول، أسر كثيرة ومتزاحمة، وأطفال يلعبون على الرصيف، علي الجانب الأخر تكشف على وجوههم الابتسامة والفرحة لرجوعهم إلى بلادهم.. الوقت لا يمر، وبدأ يظهر على الأشخاص الملل، وهم يرددون العبارات الغاضبة: «كل دا تأخير». الساعة في الوقت الحاليً الواحدة.. لكنه لم يأتِ حتى الآن.

بعض الشيوخ يجلسون على أمتعتهم بجوار غرف المحطة؛ تجنباً لأشعة الشمس عليهم، ومن وقـــت لآخر يذهب بعض الأشخاص إلى #مقصورة ناظر المحطة ليسألوه عن موعد وصول القطار، والناظر يرد عليهم قائلا: «جاى حالاً» وبعد حوالى ساعتين ونصف الساعة مـــن الموعد المحدد للوصول صـرحت المحطة عن قدوم القطار على الرصيف.

هذه العبارة كانت على لسان أحد الركاب.. فالناس يتكدسون على أبواب القطارات؛ مـــن أجل أن يصل أحدهم إلى داخل القطار ليحجز المقاعد للنساء والشيوخ.. وبعد معاناة صعبة وصلنا داخل عربات القطار والناس فـــى حالة صعبة يتصببون العرق مـــن كل ناحية، وكأنهم يقفون داخل مخبز عيش، لا يطيق أحد منهم الجديـد مع الآخر، وكأن المنظر يشبه الغابة.

وبعد المعاناة الصعبة فـــى الوصول إلى القطار، تأتى رحلة البحث عن المقاعد الخالية لنجلس عليها لعدم قدرتنا فـــى الوقوف طوال الرحلة والتى تستغرق أكثر مـــن 18 ساعة.

بدأنا التنقل مـــن عربة إلى أخرى، ونحن مصدومون مـــن بشاعة المنظر، وكأنه يشبه بتكدس الناس عند دخولهم إلى السينما لقضاء وقـــت جميل، ولكن الناس هنا يتسللون إلى عربات القطار طامعين فـــى رضا الله للوصول إلى أهلهم سالمين.. فهنا ركاب يجلسون على الأرضيات وآخرون معلقون على أبواب القطار.

نوافد القطار معظمها «مشروخة» قابلة للانهيار فـــى أى وقـــت.. وكل ما مضى عذاب ودورات المياه عذاب آخر.

فعندما تنتقل مـــن عربة إلى أخرى لا تَتَكَلَّفُ تلك الرائحة البشعة التى تشبه مقالب الخرابات.

هذه الدورات مزدحمة والناس يقفون فيها فـــى الداخل ومن هنا لا نرى إلا حلاً واحداً أن نتسلل على «الرف» بجانب الأمتعة والحقائب، فوجدنا كثيراً مـــن الناس يفعلون ذلك.

القاذورات تنتشر فـــى كل القطار، لا يستطيع أحد أن يتَكَلَّفَ رائحتها، فلا أبواب تفصل أوضح عربات القطار.. وبعد كل تلك المعاناة بدأنا النظر فـــى وجوه الناس.. «كل منهم يبدو عليه علامات المشقة والتعب».

وجدنا امرأة تبكى مـــن بشاعة المنظر وشدة التزاحم.. فرد عليها جليسها قائلاً «أنتِ أول مرة تركبى القطار ولا إيه؟ دا الطبيعى بتاع القطار كل يوم.. احمدى ربنا إنك واقفة أساساً، وساعات فـــى ناس بتتسرق» بينما المرأة فـــى حالة مـــن الانهيار ودموعها تسيل على خدها.

وبعد وقـــت قصير وجدنا شخصين جالسين ينظران إلى البنات والسيدات علي الجانب الأخر تكشف على وجهيهما علامات التحرش بالعين والغمز.. والنساء فـــى حالة مـــن الخجل. وعندما تحول التحرش مـــن العين إلى الكلام رد عليهم أحد الشيوخ قائلاً «عيب يا شباب». ودار حديث طويل واقتنعا بكلام الشيخ واعترفا بـــأن تصرفاتهما خطأ.

وهناك مجموعة مـــن الأشخاص يجلسون معاً، ويدخنون بكثرة، لدرجة أن بعض الشيوخ انزعجوا مـــن رائحة السجائر، وعندما ذكــر لهم أحد الشيوخ «كفاية تدخين إحنا تعبانين لوحدنا».. ردوا عليه قائلين: «ابقى اركب المكيف يا حاج ما فيش حد بيدخن هناك»، الشيخ فـــى حالة صعبة ويعانى مـــن تعب فـــى الصدر والشباب لم تستجب لأى شىء.

وآخرون يتحدثون عن الفقر وقلة الحيلة وعن هجرتهم طوال حياتهم، والبعض الآخر فضلوا النوم؛ هرباً مـــن التعاملات الصعبة داخل القطار.

آخرون يلجأون إلى وسائل التسلية وهى «السودانى» للتسلية وقضاء الوقت.

وبعد نحو خمس ساعات وجدنا الناس داخل القطار فـــى حالة تشبه أفلام السينما، فكل منهم بدأ يتعرف على الآخر، ويتبادلون الجديـد وكأنهم يمثلون فيلماً قصيراً، ويتبادلون المأكولات والمشروبات، والأطفال يلعبون مع بعضهم وبدأوا يتكيفون مع الحالة التى يمرون بها.

وأثناء جلوسى بجانب الأمتعة والنظر فـــى وجوه الناس وجدنا مجموعة مـــن الشباب تظهر عليهم علامات البلطجة. قمت بمتابعتهم حتى رأيتهم انتشروا داخل القطار وفى دورات المياه، وبعد مرور دقائق اتضح أن هناك أكثر مـــن حالة سرقة داخل القطار، فبدأنا بالبحث عنهم، ولكن لم نرهم مرة أخرى.

حالة أخرى لفتاة تجلس وبجانبها شاب بدأ يتعرف عليها ويسألها بعض الأسئلة: «إنتى منين؟ اسمك ايه؟ انتى بتدرسى ولا لأ؟» بينما الفتاة لم ترد عليه فـــى أى سؤال، وبدأ الشاب يقترب منها والفتاة تبعد عنه حتى بدأ الشاب بالتحرش فـــى الخفاء لا يعلم أحد ما يفعله، حتى صرخت البنت مرة واحد وقالت: «انت بتعمل إيه انت أهبل؟» فقام أحد الشباب الجالسين بصفعه بـ«القلم».

مجموعة أخرى مـــن الشباب يحملون أسلحة يجالسون الناس ويهددون أشخاصاً تشاجروا معهم لمنعهم مـــن عرقلة حركة القطار بسحب «الفرامل وتفريغ الهواء فـــى منتصف الطريق».

فاندهشت مـــن بشاعة الموقف ووجدت أحدهم يهدد الناس ويقول «إحنا محدش يقدر علينا» مؤكدين أن الشرطة لا تسيطر عليهم، خصوصاً فـــى الصعيد والناس يرددون «حسبنا الله ونعم الوكيل.. ربنا ينتقم مـــن كل ظالم».

الباعة الجائلون كأنهم احتلوا القطار، والركاب أصبحوا عهدة لهم، فمن حين وآخر تأتى امرأة تحمل على رأسها صندوق مياه، سعر الزجاجة 4 جنيهات، فيسرع عدد مـــن المسافرين للشراء منها، وفي غضون ذلك فقد كانت المياه لونها غريب تظهر عليها علامات اصفرار وكأنها زجاجات مستعملة فارغة ملئت لتباع مرة أخرى، ولكن الناس يشترون دون وعى مـــن شدة العطش وصعوبة الجو.

فلا تمر دقائق ويأتى صبى عمره يتراوح أوضح 12 و15 عاماً يحمل على كتفه «براد شاى» ومعه أكواب مـــن البلاستيك وينادى «الكوب بجنيه ونصف» ويبيع فـــى كل عربه أكثر مـــن ثلاثين كوباً.

وهناك شخص آخر فـــى الأربعينيات مـــن عمره ومعه مجموعة مـــن الأحذية وينادى «حد عاوز حزام شباب أو أطفال، ويرزقه الله مـــن كل عربة، كل دقيقة يمر أحد الباعة حتى مر شخص فـــى العشرينيات مـــن عمره، يحمل مجموعة مـــن ملابس الأطفال وينادى الطقم بـ30 جنيهاً، والصغير بـ20 جنيهاً، رغم رخص بضاعته لكن لا يتشجع الكثير مـــن الأفراد لشرائها.

وآخر يحمل ساندوتشات فلافل، وجبنه بالطماطم، وينادى بصوت مرتفع الساندوتش بـ2 جنيه.

واثناء حديثى مع أحد المسافرين ويدعى «إبراهيم على»، مقيم فـــى بنى سويف، أكد أن قطارات الصعيد أصبحت مليئة بأعمال السرقة والتحرش؛ نظراً إلى ضعف التواجد الأمنى داخل العربات.

وأَلْمَحَ إلى أن الإهمال وصل للحد الأدنى للحماية المدنية للفرامل الهوائية وبالتالى خلل وشل حركه القطار، وهو ما يعرض حياة الركاب للخطر.

وذكـر محمود صبحى، مقيم بالأقصر: تحدث مثل هذه الأمور كثيراً، مؤكداً أنه يسافر كل ثلاثة أشهر للاطمئنان على أهله.

وفجأة سمعنا صوت امرأة، وسرعان ما تحركنا إلى العربة الأخرى، وجدناها تبكى، وتقول هذا الشخص كـــان يتحرش بى، وأنا فـــى دوره المياه، فصرخت ليلحقنى أحد مـــن الركاب وبدأ أحد الركاب فـــى البحث عن نقطة الشرطة المقامة داخل القطار، ولكن لم نر أحداً منهم، ونشبت مشاجرة أوضح أحد الركاب والشخص الذى اتهمته السيدة حتى أصيب أحدهما فـــى ذراعه.

بعد مرور فترة بدأت تظهر روائح بشعة وكأنه «حريق» وتوقف القطار، وبالفعل إِتِّضَح أن تيل الفرامل فـــى حالة تشبه الحريق، وبدأ الأهالى يعيشون حالة قلق ومعظمهم يتلون الشهادة على أرواحهم مرددين الدعوات بـــأن يستطيع السائق إصلاح القطار وبعد حوالى 25 دقيقة انطلق القطار مرة أخرى.

وبدأ الباعة الجائلون يترددون مرة أخرى داخل القطار، فهناك بائع يقول «حد عاوز شاى وسجارة بـ2 جنيه»، وبدأ الشباب يتوجهون إليه للشراء وهناك الشيوخ ينظرون إليه فـــى حالة مـــن الاستغراب وآخرون غضبوا مـــن المنظر.

لم يكن الباعة الجائلون وحدهم المتواجدون بشكل كبير فـــى عربات القطار، فكان هناك حضور واضح للشحاذين، فمن حين وآخر يأتى رجل عجوز أو امرأة تتسول عن طريق تردد مجموعة مـــن الأدعية، فسرعان ما يعطف عليها أحد الركاب ويعطيها «صدقة».

بدأ الناس يرددون «أهو الكمسرى جه»، بعض الأشخاص يحملون تذاكر، والبعض الآخر لا يحملونها، فيطالبهم الكمسرى بدفع التذكرة ويقول لهم إنها أمانة.

وهناك أشخاص يهربون مـــن عربة إلى عربة، وآخرون يشتبكون معه، وعندما حدثته عن تلك المشكلة ذكــر إن خط الصعيد ملىء بالمشاكل، وإنه دائماً يتجنب الوقوع فـــى المشاكل؛ خوفاً مـــن الاعتداء عليه، مؤكداً أن أكثر مـــن 70% يهربون مـــن دفع التذكرة، وإنه يعجز عن السيطرة عليهم لعدم توفير الحماية الكافية لـــه مـــن نقطة الشرطة داخل القطار، وسرعان ما ينقلب الحال فيقابل الكمسرى أحد معارفه ولا يطالبهم بالتذاكر.

مرت ساعات طويلة ودخل الليل علينا.. والركاب بدأوا يغطون فـــى النوم مـــن شدة التعب والمشقة، ينام بعضهم على أرضيات القطار وتحت المقاعد وعلى الأبواب وكأنهم فـــى بيوتهم.

منظر بشع، رجل كبير السن فـــى حالة سيئة يحتك بالناس ويتنقل بينهم، والأمر الأكثر غرابة ليس فقط تلك المناظر البشعة، لكن هناك مجموعة مـــن الشباب تتراوح أعمارهم أوضح 15 و20 عاماً يقفون أوضح العربات وكأن وجوههم تتحدث ويشيرون بنظرات غريبة لمجموعة مـــن الركاب الشباب، تواصلت فـــى متابعتهم وسرعان ما سألت شخصاً يدعى «حسام لطفى» عن النظرات الغريبة وعن الصبية فيرد: «دول بائعى المخدرات هما موجودين ديماً فـــى كل رحلة».

سمعت أحد الركاب يتحدث عن الآثار والسلاح والمخدرات فـــى أسوان ويؤكد أن معظم قرى أسوان مليئة بالسلاح وأن معظم الأهالى تعمل بالآثار.

وصل القطار أخيراً لمحافظة أسوان، تسود الملامح السوداء داخل القطار، حتى الكمسرى بملامحه السوداء، ويرتدى تحت بدلته الزرقاء ذلك «القفطان الصعيدى»، جلس ليستريح فـــى العربة الأولى، إلى جوار عدد مـــن أصحاب الجلابيب، وأخذ يروى لهم عن حكاياته مع الركاب المتهربين مـــن قطع التذاكر، ومشاجراته معهم، يشكو مـــن حقوقهم المهدرة؛ بسبب قانون السكة الحديد الذى يرفع شعار: «الراكب على حق»، حتى إن الرجل فـــى مواجهات دائمة مع الركاب، مضيفاً: «ولا مرة عرفت آخد حقى».

تطرق الجديـد أوضح قاطع التذاكر والركاب الثلاثة للتعارف، جلس إلى جوارهم رجل ذو بشرة سمراء، وجلباب أبيض عرف نفسهم لهم بأنه مـــن أسوان، مـــن خلف الخزان، وهنا فُتحت حكاية النوبة وأهلها، وكأن الرجل الأسمر كـــان فـــى انتظار تلك اللحظة، تدخل قاطع التذاكر، الذى بَيْنَ وَاِظْهَرْ أنه أيضاً ينتمى للنوبة، وأخذ يروى كيف صعد عقرب إلى عنقه، وأن أحد جيرانه أنقذه مـــن مصير مأسوف عليه، ولكن يعتبر ذلك كله هيناً، فالرجل أكثر ما يشتاق إليه هو قربه مـــن نهر النيل: «خيالية»، وأخيراً القطار وصل والأهالى فـــى حالة مـــن الفرح.

 

قانون الإنقاذ:لائحة تأديبية للعاملين.. وغرامات وحبس لـ«التزويغ والتسطيح»

 

ويتكون مشروع القانون مـــن 6 مواد إصدار، نصت على أن يعمل بـأحكام قانون الهيئة القومية لسكك حديد مصر ومترو الأنفاق المرافق، وأن يعاد تنظيم الهيئة القومية لسكك حديد مصر، والهيئة القومية للأنفاق على النحو المبين بالقانون، وأن يصدر رئيس مجلس الوزراء اللائحة التنفيذية لهذا القانون خلال ثلاثة أشهر مـــن تاريخ العمل به، وعلى الجهات القائمة بالعمل بالهيئة القومية لسكك حديد مصر والهيئة القومية للأنفاق، أن توفق أوضاعها طبقاً لأحكام القانون المرافق خلال ستة أشهر مـــن تاريخ صدور لائحته التنفيذية ما لم يحدد هذا القانون مدد أخرى.

ونصت مواد الإصدار على أن يلغى القرار بقانون رقم 277 لسنة 1959 فـــى شأن نظام السفر بالسكك الحديدية، كَذَلِكَ عُلِيَ الْجَانِبُ الْأُخَرَ يلغى القانون رقم 113 لسنة 1983 بإنشاء الهيئة القومية للأنفاق، كَذَلِكَ عُلِيَ الْجَانِبُ الْأُخَرَ يلغى قرار وزير المواصلات للإقليم الجنوبى رقم 108 بتاريخ 18/12/1960، بإصدار لائحة الجزاءات التأديبية لموظفى هيئة سكك حديد مصر، كَذَلِكَ عُلِيَ الْجَانِبُ الْأُخَرَ يلغى كل حكم يخالف أحكام القانون المرافق.

وتقضى المادة الخامسة مـــن مواد الإصدار بـــأن ينقل الموظفون المعينون الموجودون بالخدمة بهيئة سكك حديد مصر والهيئة القومية لمترو الأنفاق قبل العمل بأحكام هذا القانون إلى الوظائف المعادلة لوظائفهم الحالية الصادر بها قرار مـــن مجلس إدارة الهيئة، ويكون ترتيب الأقدمية أوضح المنقولين لوظيفة واحدة بحسب أوضاعهم السابقة، ويحتفظ كل منهم بالأجر المنتظـر لـــه قانوناً والذى كـــان يتقاضاه قبل العمل بأحكام القانون المرافق، وذلك كله مع عدم الإخلال بالقوانين والقرارات المنظمة للحدين الأدنى والأقصى للدخول.

ويتضمن الاقتراح بقانون دمج هيئتى السكك الحديدية ومترو الأنفاق فـــى هيئة واحدة، وجاء الباب الأول فيه تحت عنوان «تنظيم هيئة سكك حديد مصر ومترو الأنفاق، ونصت المادة رقم (1) على أنها هيئة عامة مستقلة، وتكون لها الشخصية الاعتبارية وتتبع وزير النقل ومقرها الرئيسى فـــى القاهرة، ويجوز أن يكون لها بالعاصمة الجديدة مَرْكَز ولها فروع بجميع المحافظات وتخضع لأحكام هذا القانون.

ووفقاً للمادة (2)، يشكل مجلس إدارة الهيئة برئاسة وزير النقل وعضوية تسعة أعضاء يشغل كل منهم المستوى الوظيفى نائب وزير أو الدرجة الممتازة أو العالية أو ما يعادلها مـــن وزارات الدفاع والداخلية والتجارة والصناعة والتموين والمالية والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والتعليم العالى والبحث العلمى والإنتاج الحربى والكهرباء والطاقة، ويصدر قرار بتشكيل أعضائه وتحديد النصاب القانونى لصدور قراراته ومواعيد اجتماعات جلساته والأجور والمكافآت والبدلات المحددة لكل عضو مـــن أعضائه قرار مـــن رئيس الجمهورية بعد عرض رئيس مجلس الوزراء.

وتعد المادة (5) مـــن أهم مواد هذا المشروع، والتى تفتح مجال الاستثمار فـــى مرفق السكة الحديد والمترو، إذ تنص على أنه «مع عدم الإخلال بأحكام المادة (4) مـــن هذا القانون، يجوز منح التزامات المرافق العامة للمستثمرين مـــن المصريين أو الأجانب أشخاصاً طبيعيين أو أشخاصاً اعتبارية لإنشاء خطوط وشبكات السكك الحديد الجديدة وكذلك لمترو الأنفاق وتشغيلها وصيانتها، دون التقيد بأحكام القانون رقم 129 لسنة 1947 بالتزامات المرافق العامة، والقانون رقم 61 لسنة 1958 فـــى شأن منح الامتيازات المتعلقة باستثمار موارد الثروة الطبيعية والمرافق العامة وتعديل شروط الامتياز، وذلك وفقاً للقواعد الآتية، أن يتم اختيار الملتزم فـــى إطـــار مـــن المنافسة والعلانية، ألا تقل حصة الحكومة عن 60% مـــن رأس المال فـــى أى مشروع، ألا تزيد مدة الالتزام على مدة لا تتجاوز ثلاثين عاماً ميلادية، تحديد وسائل الإشراف والمتابعة الفنية والمالية التى تكفل حسن سير المرفق بانتظام، ولا يجوز للملتزم أن ينزل عن الالتزام لغيره دون موافقة مجلس الوزراء.

ويختص الباب الثانى مـــن هذا القانون بنظام السفر بالسكك الحديدية ومترو الأنفاق والعقوبات المقررة والحفاظ على مساحة الأرض ملك الهيئة، فتنص مادة 16 على أنه لا يجوز تملك الأموال المملوكة للهيئة أو كسب أى حق عينى عليها بالتقادم، ويكون لمجلس إدارة الهيئة حق إزالته إدارياً، وتنص مادة 17، على أن يعاقب بالحبس مدة لا تجاوز سنة أو بالغرامة التى تجاوز عشرين ألف جنيه كل مـــن اعتدى على عقار ملك الهيئة بقصد حيازته بالقوة، ويعاقب بذات العقوبة كل مـــن خرب أو أتلف عمداً أموالاً ثابتة أو منقولة ملك الهيئة وجعلها غير صالحة للاستعمال أو عطلها بأية طريقة، فإذا ترتب على الفعل ضرر مالى قيمته ألف جنيه أو أكثر، كانت العقوبة الحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر وغرامة لا تجاوز خمسين ألف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين، فضلاً عن التعويض عن الضرر إذا كـــان لـــه محل.

ونصت المادة «18»، على أنه مع عدم الإخلال بأية جَزَاء أشد يقضى بها أى قانون آخر، يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على ستة أشهر وبغرامة لا تقل عن خمسة آلاف جنيه ولا تزيد على عشرين ألف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين كل مـــن ارتكب الأفعال الآتية: كل مـــن ركب فـــى عربات السكك الحديدية أو متــرو الأنفاق وامتنع عن دفع الأجرة أو الغرامة أو ركب فـــى درجة أعلى مـــن درجة التذكرة التى يحملها وامتنع عن دفع الفرق، وكل مـــن ركب فـــى غير الأماكن المعدة للركوب، والركوب على أسطح القطارات أو أوضح وحداتها أو فـــى أى مكان مـــن شأنه تعريض مسيرها للخطر، والتعدى على الحرم المخصص لمحطات أو خطوط السكك الحديدية.

المصدر : الوفد