شيخ الأزهر من روما: المسلمون هم ضحايا الإرهاب ويدفعون ثمنه
شيخ الأزهر من روما: المسلمون هم ضحايا الإرهاب ويدفعون ثمنه
أكد الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف، أن الأزهر مع مجلس حكماء المسلمين على استعداد لتقديم كل ما يملك مـــن خبرة لترويج فكرة السلام العالمي والتعايش المشترك، وأنه ليس فـــي متون الأديان ولا نصوصها المُقدَّسَة ما يدعو إلى سَفكِ دِماء النَّاس.

وتـابع الطيب، فـــي مؤتمر "حوار الشرق والغرب" والذي يعقد فـــي روما، أن المسلمين هم ضحايا الإرهاب ويدفعون ثمنه مـــن دمائهم أضعاف غـيرهم مئات المرات. 

وفيما يالي نص كلمة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف، فـــى مؤتمر حوار الشرق والغرب .

بسم الله الرحمن الرحيم

الســادة أعـــلام المنصة!

الحضور الكــريم!

أُحَييكُم بتحيَّةِ الإسْلَام، بل بتحيَّةِ الأدْيَان الإلهية، وَهِيَ: السَّلَامُ عَلَيْكُم وَرَحْمَةُ اللهِ وبَرَكَاتُه.. وبعد/

أنا عائد لتوي مـــن جلسة مطولة مع أخي العزيز حضرة البابا فرنسيس بابا الفاتيكان استعرضنا فيها كثيرا مما يقلق ضمير الإنسانية، ويحمل لها الألم والشقاء، واستشرفنا معا آفاق المستقبل مـــن أجل العمل المشترك لرفع المعاناة عن الفقراء والبؤساء والمستضعفين فـــي العالم، والحقيقةُ أنني مستبشر كل الاستبشار بهذا الرجل الرمز والنادر فـــي أيامنا هذه، والرجل الذي يحمل أوضح جنبيه قلبا مفعما بالمحبة والخير والرغبة الصادقة فـــي أن ينعم الناس كل الناس بالسلام التعايش المشترك وتكامل الحضارات وتبادل الحضارات.

هذا وإنِّي لأهدف مـــن كلمتي فـــي هذا اللقاء أمام حضراتكم إلى غاية مُحدَّدة هي: الاقتناع بضرورةِ الحوار أوضح الشَّرق والغَرب وحتميَّةِ استمراره أوضح حُكماء الفريقين وعُقلائهما، لانتشالِ حضارتنا المعاصِرة مِمَّا أوشك أن يعودَ بها إلى عصورِ الجَهْل والظَّلام على سبيلِ الحقيقة وليس على سبيلِ المجاز.

لقد أصبح العُنف المتبادل أوضح الشَّرق والغَرب اليوم هو السِّمَةَ البائسة التي تعزل حضارتنا المعاصرة، عن باقي الحضارات الإنسانيَّة التي عَبرَت على صفحات الأزمان والآباد، وأرجو ألَّا أذهب بعيدًا لو تصورتُ أن حضارة إنسان القرن الواحد والعشرين لا تمثل إلَّا تراجُعًا حضاريًّا مُخيِّبـًا للآمـال إذا ما قُورِنت بحضارة القرن العشرين، وأنَّ القرن الماضي إذا كـــان قد حفَلَ فـــي مُنتَصَفِه الأوَّل بحربَيْنِ عالميتين راحَ بسببهما أكثر مـــن 70 مليون ضحيَّة، إلَّا أن صُنَّاع الحروب والنافخين على نيرانها سُرعان ما أدركوا فداحة الثمن، وتفاهةَ البواعث التي لم تكن تستحق قطرة واحدة مما أُهْدِر مـــن دماء فـــي هذه الحروب.

ورغم أن بلدان العالم قد انقسمت فـــي ذلك القرن إلى معسكرين متنافرين أشدَّ التنافر: فكرًا وفلسفة واقتصادًا، إلا أن الحرب الباردة التي كانت تضبط ميزان التعادل أوضح المعسكرين المتعاديين؛ كانت حربًا بلا دماء ولا أشلاء، وربما توفر للأمم والشعوب فـــي ظلال هذه الحرب الباردة، المتوترة حيًنا والمتراخية حينًا آخر، كثير مـــن الشعور بالأمن والاستقرار، والإحساس بـــأن زمنًا جديدًا أظل الناس لا حرب فيه ولا موتَ ولا دمار، وإنْ سيطر عليه قَدْرٌ مـــن الخوف مـــن المجهول يشتد أحيانًا ويَفْتُر فـــي أكثر الأحايين.

ثم جاء سقوط المعسكر الشيوعي فـــي نهاية القرن الماضي، وتلاه انهيارُ الأنظمة السياسيَّة الحاضنة للفلسفة الشيوعيَّة، نظامًا وراء آخر، وتَوَهَّمْنا -يوم ذاك-أن أسباب الصِّراع أوضح الشَّرق والغَرب قد آذنت بالغروب؛ لأن العَدو الذي كـــان يَتحدَّى المعسكر الغربي، ويُنازعه التوسُّع والانتشار، والهَيْمَنةَ على العالَم، ويتهدَّده بالتدمير والرُّعب النووي. قد سقط إلى الأبد..

وفي غضون ذلك فقد كــــان مـــن المنتظر، بل مـــن المأمول إنسانيًّا وأخلاقيًّا، أن يبدأ عهد جديد تسود فيه علاقات التعاون والتكامل، وتبادُل المنافع والمصالح أوضح الدول الثرية والدول الفقيرة، وتلاقح الثقافات والحضارات، أوضح الغرب والشرق.. عهدٌ يتَكَلَّفَ فيه كلٌّ مـــن الغـرب والولايات المتحدة مسؤوليتهما الحضارية، ويدفعون ضريبة التفوق الحضاري والتقني، بل وضريبة التفوق العرقي – أو العنصري - الذي آمن به الغرب طوال عهود الاستعمار، واتكأ عليه فـــي تبرير مهمته الاستعمارية فـــي بلاد الشرق، رغم ما لقيته هذه النظرية العنصرية مـــن تهافت وسقوط على أيدي علماء الأجناس الغربيين أنفسهم.. على أن إيمان الدول الأوروبية بهذه المقولة يحتم عليها أن تقود الأمم والشعوب الأدنى مرتبة منها، والمحتاجةَ إلى شيء مما أفاءه الله على هذه الدول مـــن نعمة الغنى والثراء والتقدُّم التقني والعلمي والفنِّي والإنساني.. وهي نِعمٌ كبرى تستوجب مساعدة الشعوب المحرومة؛ وهي شعوب كانت لها أياد حضارية بيضاءَ على نهضة الغرب وتقدُّمه فـــي شتى مجالات حضارة اليوم..

وهذه العاصمة الأوروبية التليدة الخالدة التي نلتقي فيها اليوم تشهد على أن المسلمين كانوا فـــي يوم ما روادًا للحضارة والعلم والفن، ورُسُلًا للتنوير والتعليم والتثقيف، ولدرجة أنه لولا تراث المسلمين؛ ما كـــان لحضارة الغرب أن تستوي على سوقها كَذَلِكَ عُلِيَ الْجَانِبُ الْأُخَرَ استوت عليها اليوم..

نعم كـــان الظن أن تسير أمور العالم بعد الحرب الباردة فـــي صَوَّبَ السلم والتعاون والتعايش المشترك، غير أن الأمر سرعان ما عاد إلى سيرته الأولى، حين شاءت السياسة العالمية المندفعةُ بمنطق المال والقوة والسلاح، أن تستبدل بالحرب الباردة حربًا جديدة، ومعسكرًا جديدًا أيضًا، هو معسكر بلاد المسلمين وبلاد غير المسلمين، وليتَها كانت حربًا باردة كسابقتها، إذن لهان الأمر وأمكن احتماله، لكنها كانت حربًا مـــن جيل جديد مـــن الحروب، فيه يقتل الضحية نفسه بنفسه، وبمالِه وعلى أرضه، وكالةً عن أنظمة قابعة وراء البحار مـــن سماسرة الحروب وتجار الأسلحة، وفي غضون ذلك فقد كــــان لابد – والأمر كذلك- مـــن تسويق صورة مشوهة عن «الإسلام» كدِين يحتضن الإرهاب، وينشر دعوته بالقتل وسفك الدماء وقطع الرؤوس باسم الله.

وليس مـــن همنا الآن أن نبحث –فـــي هذه الكلمة الموجزة-عن ظاهرة الإرهاب، وأسبابها، ومَن المسؤول الأول عنها، ومَن الذي يموِّلها، ومن أين لتنظيمها بهذه القوة المرعبة، والقدرة على التنقل بجيش وعتادٍ وأسلحة مـــن أقصى الشرق إلى أقصى الغرب فـــي قارتي: آسيـــا وأفريقيا دون أن تقف فـــي وجهه حدود الدول وحواجزها.

غير أن أمانة الكلمة تقتضي التذكيرَ ببعض الحقائق التي لابدَّ مـــن ذِكرها فـــي هذا المقام وهي:

أنَّ المسلمين هم ضحايا هذا الإرهاب، وهم الذين يدفعون ثمنه مـــن دمائهم أضعاف ما يدفَعُه غـيرهم مئــات المرات، وهم المسـتهدفون مـــن أســلحته ونيرانه، وضَربُ اقتصادهم وتدميرُ طاقاتهم وإبقاؤهم فـــي حالةِ اللاحياةِ واللاموتِ؛ كلُّها أهداف مبيَّتة ومدروسة بعناية فائقةٍ.

واسمحوا لي أيها الحكماء والعلماء إن كنت قد أسهبت فـــي عرض أمر معلوم ومعروف لدى حضراتكم، ولدى كثيرين فـــي الشرق والغرب، فقد قصدتُ مـــن وراء ذلك التأكيدَ على أن اجتماعنا اليوم، ومن قبله اجتماعات أخرى شبيهة، ليست ترفًا؛ بل هي ضرورةٌ يمليها البحثُ عن حلٍّ لهذه الأزمة التي بدأت تتمدَّدُ كالسرطان الخبيث فـــي كل مكان.. والتي تبحثُ عن حلٍّ منذ أمد بعيدٍ دون جدوى.

ويسرني أن أؤكد أمام حضراتكم استعداد الأزهر الشريف مع مجلس حكماء المسلمين لتقديم كل ما يملك مـــن خبرة مـــن أجل تعاون –وبلا حدود– مـــن أجل كتـب فكرة السلام العالمي، وترسيخ قيم التعايش المشترك وثقافة حوار الحضارات والمذاهب والأديان.

وفي اعتقادي أن المشكلة تكمن فـــي أن العلاقة أوضح التقدم العلمي، الذي هو: عنوان الحضارة الغربية الحديثة.. بعد ما بدت علاقةً عكسيةً فـــي عصر التنوير، انقلبت رأسًا على عقب إلى علاقة «طَرْديَّة» فـــي عصرنا الحاضر.. فقد بشَّرَنا فلاسفة التنوير بـــأن تقدُّم الحضارة واتساعَها كفيل بالقضاء على الحروب قضاءً مبرمًا، وبمعنى آخَر: إن «السلام العالمي» سوف يسيرُ فـــي ركاب التحضُّر رأسًا برأس وقدمًا بقدم حتى ذكــر الفيلسوف الفرنسي «كوندورسيه» أشهر دعاة الإصلاح التربوي (سَنَة 1787م) جملته الشهيرة التي تقول: «بقَدْر ما تتَّسِع رُقعةُ الحضارة على الأرض سوف نشهد زوال الحرب وكذلك زوالَ العبوديةِ والبؤس».

ولم يكد يمرُّ على هذا الحُلُم الجميل قرن واحد، حتى استيقظ الناس على واقع مرير انقلبت فيه العلاقة أوضح العلم والحرب إلى علاقة «طَرْديَّة» تؤكد أنه كلما تقدم العلم ازدادت الحروب فتكًا وشراسةً، وقد تقررت هذه الحقيقة فـــي الثقافة المصرية منذ ثلاثينيات القرن الماضي، سواء فـــي كتابات علماء الأزهر أو عقلاء الكتاب والأدباء والمفكرين، وهو ما نجده اليوم فـــي كتابات كثير مـــن المفكرين الغربيين، وأحدثُها ما يقوله الفيلسوف البلغاري الفرنسي الذي رحل عن دنيانا هذا العام: «تزفيتان تودوروف» Todorov Tzvetan: «أن الثقافات بكل مكوناتها التقنية والفنية تنتشرُ بسرعة متزايدة فـــي أرجاء الأرض، وتعرفها شرائح كبيرة مـــن سكان العالَم، ومع ذلك فإن الحروب لم تتوقف، والبؤسَ لم يتراجع، وحتى العبودية لم تُلغَ إلَّا مـــن القوانين، أما على مستوى الممارسة فإنها لازالت باقية» .

وهذه العبارات التي قالها انتهى إليها هذا الفيلسوف والتي تعكس واقعَ عالمنا اليوم، تحملني على القول : إنه لا أمَل - فـــي التعويل على التقدم الحضاري فـــي ترويض الوحش الهائج المستكن فـــي ضمير الإنسان المعاصر، وبخاصة بعد ما حطَّم هذا التقدم الحضاري كلَّ مواريث القيم والأخلاق وتأديب الإنسان وتهذيبه، وقَتـَلَ فيه غريزة التديُّن، التي هي نفسُها غريزة الأخلاق والفضائل التي يقاوم بها الإنسانُ اقتراف الجرائم فـــي حق نفسه وحق غيره.. و بعد ما أزال الحدود أوضح الحرية كفضيلة، والعبث والفوضى كرذائل مستنكَرة، وصِرنا لا نعرف فرقًا أوضح سلوك تمليه حقوق الإنسان فـــي التعبير الحر الملتزم، وسلوك آخرَ فوضوي عبثي يُحسب على مكانة الإنسان ككائن أخلاقي ملتزمٍ، وأيضًا بعد ما أدار هذا التقدم ظهرَه للدِّين وتعاليمِه، واستبدلَ به حريات مطلقة بلا سقف ولا حدود، حتى رأينا مـــن سلوكيات الإنسان المعاصر وتصرفاته ما كـــان مستحيلًا على ذوي الفطرة السَّويَّة أن يتخيَّلُوه منذ عقود قليلة مضت.

والرأي عندي هو: أن يركِّزَ حوارنا على طرح قضية الدين كطوقٍ للنجاة، وأن تكون لهذه أولويةٌ على قضايا أخرى يُتوقع طرحها مثل: العلمانية، والعولمة، وغيرهما.

وأنا أعلم -سلفًا -أن موقع الدِّين ومكانَتَه أوضح الشرق والغرب ليس متطابقًا، إن لم يكن شديد الاختلاف، وأن الفلسفات المادية والإلحادية قد تَسْخَر مـــن هذا الطرح، وتهزأ به وتراه تخلُّفًا وعودة إلى عصور الجهل والظلام.

ولكن مـــن حقِّ الشعوب التي تُعاني مـــن سياسات التسلُّط والهينة والهجير القصري، ومن سَفْكِ دماء الملايين مـــن الضُّعفاء والفُقَرَاء والأرامل والأيتام - مـــن حق هؤلاء جميعا أن يقولوا بملء أفواهم: «لا» وأنا معهم هنا فـــي قلب أوروبا أقول: لا، وألفُ لا، بل مـــن حقنا أن نطالب بتصحيح المسار، وبنصيبنا وحقنا فـــي السلام الذي حُرمنا منه، بينما تتمتع به الكلاب والقطط والحيوانات هنا وهناك.

وسوف يقال: إن العودة إلى الدِّين وتعاليمه تزيد الأمر سوءًا، لأن اختلاف الأديان فـــي العقائد والشَّرائع مـــن أقوى بواعث الحروب أوضح المؤمنين بها، وهل يمكن أن نتجاهل كمَّ الدِّماء التي سُفِكَت فـــي الحروب بسبب صراع الأديان، واقتِتال المؤمنين بها؟ وهل يمكن أن نتجاهل أن أوروبا لم تقض على حروبها الداخلية إلَّا بعد أن عزلت الدِّين جانبًا عن حياة النَّاس بينما سُمِّيَ بالعلمانية؟

وهذه الاعتراضات التي يقتنع بها كثيرٌ مـــن الشـباب الآن – غـربًا وشـرقًا أيضًا - تبدو وجيهة بادي الرأي، لكنها قد لا تكون كذلك إذا ما نُوقشت فـــي ضوء قِراءة صحيحة متعمقة للدِّين، تهدف لاكتشاف محـوريته وأهميتِه القُصوى مـــن أجل حياة سعيدة فـــي الدُّنيا والآخرة.

وجوابنا على هذا الاعتراض: أن الأديان الإلهيَّة الموحى بها مـــن الله تعالى على أنبيائه ورسله لا يمكن أن تكون سببًا فـــي شقاء الإنسان، وكيف يُذكــر ذلك وهي ما نزلت إلَّا لهداية البشر إلى الخير والحق والصواب، أمَّا الحروب التي اشتعلَت باسم الأديان فليس لها سببٌ فـــي القديم والحديث إلَّا سببًا واحدًا هو: تسييس الدِّين وتوظيفه واستغلال رجاله لتحقيقِ المطامع والأغراض.

إنَّ الأديانَ كلَّها قد اتَّفَقَت على تحريمِ دم الإنسان، وصِيانة حياته، ويمكن أن تختلف الأديان فـــي بعض التعاليم حسب ظروف الزمان والمكان، لكنها أبدًا لم تختلف فـــي تحريم قتل الإنسان تحريمًا باتًّا. بعد أن ربطت مـــصدر التحريم بمرجعيتين: مرجعيَّةِ النَّص المُقدَّس: «لا تَقْتُل»، ومرجعيَّةِ الضمير الأخلاقي ومركزيته فـــي التمييز أوضح الخير والشر، وقُل نفسَ الشيءِ بينما يتعلَّق بمبدأ الواجب العام والمتعارَف عليه أوضح الناس جميعًا، وقد جعلت الأديان مـــن الحُكماء والقديسين خُبَراء وعارفين وحُـرَّاسًا على هـذه الأجهزة الإلهيَّة المغروزة فـــي فِطرة الإنسان، وأهليَّتِها للتوجيه فـــي كُلِّ زمانٍ ومكان.

وهنا يرتبط القُرآن ارتباطًا جذريًّا بالإنجيل والتوراة، فيدعو نبي الإسلام إلى نفس ما دعا إليه عيسى وموسى ومَن سبقهم مـــن الأنبياء والمرسلين عليهم جميعا مـــن الله أفضل الصلاة والسلام. وعلى مَن يُريد أن يقرأ قانونًا أخلاقيًّا واحدًا مكتوبًا بمعنى واحد ولغتين مختلفتين، وفي أزمان متباعدة، فعليه أن يقرأ هذا القانون فـــي الكتاب المقدَّس وفي القُرآن الكريم، وكلُّ ما سيجده القارئ مـــن فَرْقٍ هو أنَّه بينما يَرِدُ فـــي الكتاب المُقدَّس مجموعًا فـــي موضعٍ واحدٍ يجده فـــي القُرآن مُفَرَّقًا فـــي مواضع عِدَّة، وأدقُّ مثل على ذلك: الوصايا العشر فـــي التوراة . مقارنة بهذا الكنز الأخلاقي النفيس والمنجم الإنساني السَّامي القَدْر والعالي الرِّفعة المُسَمَّى بموعظة الجبل، أو ميقات جبل الطور بسيناء فـــي الإنجيل، وما ورد فـــي ذلك مـــن آياتٍ متفرِّقةٍ فـــي القرآنِ فـــي عهدَية المكيِّ والمدَنيِّ. وقد درست هذا الموضوع دراسة هادئة، وخرجت منه بعقيدة غير قابلة للاهتزاز، وهي أن هذه الكتب الثلاثة لا يمكن أن يكون مصدرها إلَّا واحدًا، وأنَّ بينها ما يشبه الأخوة العضوية فـــي هداية الإنسان وحفظ حياته.

وإذن فليس فـــي متون الأديان ولا نصوصها المُقدَّسَة ما يدعو إلى سَفكِ دِماء النَّاس، وليس فـــي سلوك الرُّسُل والأنبياء ما يُفهم منه –مـــن قريبٍ أو بعيد- أنَّ سفكَ دم الآدمي حلال، بل أزعم أنَّ دِماءَ الحيوانات فـــي الشَّرائع الإلهيَّة مُحرَّمَة، وأنها محوطة بقوانينَ وأحكامٍ شرعيَّة كلها رحمة ورِفق بالحيوان.

ويضيقُ المقام -أيها السَّادة - لو رُحنا نوضِّح الفَرْق الشَّاسِعَ البُعد أوضح حـروب بعثتها الأديان، وحروب بعثتها التجارة بالأديان، ولو كـــان الدِّين قَائِدًا عن عبث العابثين به، لكانت حضارتنا اليوم مسؤولةً عن حربين عالميتين راح ضحيتها كَذَلِكَ عُلِيَ الْجَانِبُ الْأُخَرَ قُلنا 75 مليونًا، ومسؤولةً عن كل أنهار الدِّماء التي تَسيل اليوم فـــي سوريا والعراق واليمن وليبيا والصومال وأفغانستان وغيرها، فهذه الدماء لا تسفِكُها الأديان وإنَّما يسفكها ظُلم الإنسان لأخيهِ الإنسان، ومَوتُ ضميره وتبلُّدُ إحساسه بآلامِ الآخرين وأحزانهم ومآسيهم. وليس صحيحًا أن أوروبا تخلَّصت مـــن الحروب حين أقصت الأديان مـــن مراكز التوجيه فـــي المجتمع، والصحيح أنها تخلَّصت مـــن الحروب حين قررت ذلك بعدما ذاقت ويلات الحرب ومآسيها فـــي القرن الماضي.

وقد حملت تُهْمَة قابليَّة الأديان لإشعال الحروب بسبب أن المؤمنين بكل دين يزعمون أن دينهم يمتلك الحقيقة المطلقة، وأن غيرهم على خطأ، وعلى أصحاب الحقيقة المطلقة أن يرجعوهم إليها إمَّا بالإقناع أو السَّيف، أقول: هذه التُّهمة حملت كثيرًا مـــن كبار اللاهوتيين على البحث عن حل لما يبدو أنه «معضلة» الأديان فـــي عالَم اليوم، وطرحت أسئلة عدة فـــي هذه القضية تباينت أوضح ضرورة ادعاء امتلاك الحقيقة مع ضرورة إدخال الآخَرِ فيها، وبين تجاهل التناقضات أوضح الأديان بسبب صعوبة التمييز أوضح الحقيقة والضلال، وبسبب خضوع الأديان لقانون التطور والتقلُّبات التاريخية، وكأن الحقيقة -فـــي نظر هذا الفريق- هي حقيقةٌ نسبية وليست مطلقة.

ورأىي الذي أستمده مـــن فلسفة الإسلام فـــي هذه القضية؛ هو أن الإيمان الديني اعتقاد يجب أن يرقى إلى درجة العلم الذي لا يحتمل النقيض بحالٍ مـــن الأحوال، أي لا يقبل الشك ولا الظن والوهم، وهذا يتطلَّب بالضرورة ان تكون العقيدة حقيقة مطلقة، وأن ما يناقضها لا ينطبق عليه هذا الوصف.

وفي تصوري أن هذا هو الأساس المتين لبنيان أي دين مـــن الأديان، وإلَّا لو إِفْتَتَحَ باب النسبية فـــي الدين وقَبول الشك فـــي معتقداته، أو التسليم بـــأن دِينًا غيره هو أيضًا يمتلك الحقيقة، رغم التناقض أوضح الدينين فـــي أساس الاعتقاد، لو إِفْتَتَحَ هذا الباب أمام المؤمنين بالأديان لكان عليهم أن يختاروا أوضح أمرين: إما الشك فـــي دينهم، وحينئذ لا ينطبق عليهم وصف المؤمنين بهذا الدِّين. أو يقبلوا لقـاء الخطأ والصواب على فكرة واحدة وهذا مـــن المستحيلات التي لا يمكن تصورها، فلابد والأمر كذلك مـــن أن يعتقد كل مؤمن بدين بأنه يؤمن بالحقيقة المطلقة التي لا حقيقة سواها..

وهذا يستلزم الاعتراف بـــأن الإيمان بنسبية العقيدة الدينية فـــي أي دين مـــن الأديان هو هدم للدين أو وضعه بكل تعاليمه فـــي مهب الريح.

أما النزاع المفترض فـــي هذه الحالة أوضح المؤمنين المتصارعين حول الحقيقة الواحدة؛ فإنه اعتراض غير وارد لأمرين:

الأوَّل: أن النُّصُوص الإلهيَّة قاطعة فـــي منع إكراه الآخر على قبول دين لا يريده، ويراه جريمة تعادل جريمة قتل النفس، بل تزيد عليها، لأن محاولة نزع الاعتقاد عن المؤمن أقسى عليه مـــن نزع روحه التي أوضح جنبيه، بل المؤمن بالله يجود بروحه وبنفسه رخيصة مـــن أجل الاستمساك بدينه وعقيدته.. والقُرآن ملئ بالآيات التي إِتِّضَح عبثية الإكراه على العقائد، لأن العقائد –ببساطة- عمل قلبي، ولا سلطان على القلوب كَذَلِكَ عُلِيَ الْجَانِبُ الْأُخَرَ هو معلوم.. وآيات الإنجيل فـــي هذا الأمر واضحة وضوح الشمس فـــي وسط النهار.

الثاني: إذا كـــان إكراه الآخر على اتباع دين مـــن الأديان هو ضرب مـــن العبث واللامعقول، فيجب – والأمر كذلك - احترام عقيدته، والتسـليم لـــه بدينه، بل يجــب -شرعًا- على الدولة الذي يعيش فيها هذا الآخر المختلف دِينًا، أن تمكنه الدولة مـــن ممارسة شعائر دينه، وأن توفر لـــه دار العبادة التي يتعبَّد فيها، وأن تلتزم بكل الضمانات التي تمكنه مـــن ممارسة هذا الحق الذي لا يرى حقًّا سواه.

وخلاصة القول: أنه لا يتم إيمان بدين إلَّا بالاعتقاد الجازم بأنه الحقيقة التي لا حقيقة غيرها، وأن واجب المؤمن تجاه الأديان الأخرى، التي يعتقد أنها لا تحظى بما حظي به دينُه مـــن تفرد بالحقيقة، واجبُه هو احترام الأديان الأخرى، واحترام المؤمنين بها احترامًا لا يقل عن احترامه هو نفسُه لدينه..

وفرق هائل أوضح الاحترام الكامل لدين الآخر، وبين الاعتراف والإيمان بدين الآخر.. وفي هذه النقطة تحـديدًا زلت أقدام المتشددين والمتطرفين ونبعت دعوات تكفير الآخر وإرهابه وقتله.

أعتذر عن الإطالة، ونشكر لكم صبركم على كلماتي.

والسَّلامُ عَلــَـيْكُم ورَحْمَـةُ اللهِ وبَرَكَاتُه؛

المصدر : بوابة الشروق