عمرو موسى: «المتغطى بالدول الكبــــري عريان»
عمرو موسى: «المتغطى بالدول الكبــــري عريان»

ذكــر عمرو موسى، أمين سَنَة جامعة الدول العربية الأسبق، إنه يجب الإقرار بـــأن المجتمعات العربية فـــى طريقها لإعادة البناء والإصلاح الشامل والحقيقي (فـــي مجالات التعليم، والاقتصاد، والعدالة، والإدارة، وإعلاء حكم الدستور والقانون والديمقراطية... إلخ)، لافتًا إلى أن هذا الطرح يدعونا نحن مواطني الدول العربية إلى دعوة حكوماتنا إلى التحرز والتدبر.

وأكد "موسى"، فـــى مقال لـــه بصحيفة "الشرق الأوسط، بعنوان "رمال ناعمة... ورياح عاصفة"، أن مـــن يحتمي بالدول العظمى سوف يظل "عريانا"، معتبرًا أن الأمر فـــي حقيقته لن يتعلق أبدًا بحماية هذه الدولة أو مصالحها، وإنما بتحقيق مصالح الجانب الأقوى، وفي اللحظة التي يتم فيها ذلك سوف يسقط الجانب الأضعف "ألم نر ما حدث لشاه إيران، وللشخوص التي سقطت فـــي أيام الربيع العربي وفي غضون ذلك فقد كانت كلها محمية"، حسب قوله.

وتـابع أن المنطقة فـــي طريقها إلى وضع جديد والبحث جار فـــي "كيف يكون النظام الإقليمي القادم، وهو قادم لا محالة... وهنا فلا بد مـــن طرح صريح بل غاية فـــي الصراحة.

ووجه "موسى" حيدثه إلى الحكومات العربية قائلًا: "أيتها الحكومات العربية، أو يا أهل الحكم فـــي العالم العربي، هل تريدون أن تظلوا عرباً تعملون على تصحيح الأخطاء السابقة، وعلى بناء نظام عربي جديد يقوم على نظرة متطورة إلى التضامن العربي، يأخذ فـــي اعتباره أننا فـــي القرن الحادي والعشرين، وأن معظم مجتمعاتنا شباب يتطلع إلى المستقبل، ويجب إعداد الأمور لهم، وأن هذا القرن لن يقبل بل سوف يهزم كل مـــن يتجمد فـــي إطـــار ذهني، أو يتصور أن ما جرى فـــي القرن العشرين يمكن إعادة إنتاجه، أو أن ما جرى فـــي قرون سحيقة سابقة يمكن أن يشكل اصطفافات سياسية وفلسفية فكرية تحيا أو تزدهر فـــي أيامنا هذه وفي قادم السنين والعقود والقرون؟

أم إنكم قد عقدتم العزم على وضع نهاية للحياة الجماعية العربية، وأن يذهب كل فـــي الطريق التي تحلو لـــه ويرى فيها مصالحه ويشعر فيها بالحماية ولو مؤقتاً، وبالطمأنينة ولو سطحياً؟

وإذا سمحتم فدعوني فـــي هذا الصدد أقول:

أولاً: إن مـــن يحتمي بالدول العظمى سوف يظل «عريانا»، لأن الأمر فـــي حقيقته لن يتعلق أبداً بحماية هذه الدولة أو مصالحها، وإنما بتحقيق مصالح الجانب الأقوى، وفي اللحظة التي يتم فيها ذلك سوف يسقط الجانب الأضعف (ألم نر ما حدث لشاه إيران، وللشخوص التي سقطت فـــي أيام «الربيع العربي» وفي غضون ذلك فقد كانت كلها «محمية»).

ثانياً: إن مـــن يعتقد أنه يمكنه أن يستخدم «إسرائيل» فـــي خطة أو سياسة ضد إيران مثلا، سوف يكتشف أن إسرائيل هي التي تستخدمه، وأن إيران وإسرائيل سوف تتفاهمان فـــي لحظة ما قريبة دون أي اهتمام بموقف العرب أو مصالحهم، وأن احتمالات حدوث ذلك واضحة وشروطه معروفة؛ لكل مـــن لديه اطلاع ووعي بالألاعيب السياسية ودروبها وانعطافاتها وتجاربها.

ثالثاً: إن مـــن يؤمن بـــأن أميركا تملك أوراق اللعبة الإقليمية كلها، أو 99 فـــي المائة منها مخطئ؛ لم تعد الأمور كَذَلِكَ عُلِيَ الْجَانِبُ الْأُخَرَ كانت فـــي القرن الماضي، فالكروت جرى توزيعها بل جرى ويجري الاستيلاء على عدد منها، ولا بد لنا فـــي العالم العربي مـــن أن نحاول الحصول على بعضها، وأساليب ذلك فـــي علم السياسة معروفة، وحدوثه ممكن وإن بشروط.

رابعاً: إن التنازل فـــي القضية الفلسطينية، أو القول بـــأن للفلسطينيين رباً يحميهم، ولنا مشاكلنا الأهم «خطأ استراتيجي جسيم»، فالقضية التي نتمسك بها وبموقفنا الجريء فيها، يمكن أن تخلق للعرب «كروتا» سياسية مهمة، تُعمل أثرها فـــي الترتيبات الإقليمية العادلة لصالح فلسطين ولصالح مجموعة العرب، فـــي إطـــار حل سلمي ينصف ويضبط منطلق النظام الإقليمي القادم، ولنتمعن بينما حدث إثر إعلان قرار ترمب الخاص بالقدس.

خامساً: بينما يتعلق بإيران، فهي دولة لا شك فـــي انتمائها التاريخي إلى المنطقة التي نشكل نحن العرب أغلبيتها العددية، سواء مـــن حيث الدول أو الشعوب، ولا شك أيضاً فـــي أن هناك خلافات قديمة وحديثة على مسرح العلاقات العربية - الإيرانية، كَذَلِكَ عُلِيَ الْجَانِبُ الْأُخَرَ لا شك فـــي الرفض العربي العام لوضع تصدير الثورة، وأن أغلبية الشعوب العربية تناصر الدولة المدنية التي مرجعها الدستور والقانون، وليس غيرهما.

لقد كـــان لما أعلنه بعض كبار المسؤولين الإيرانيين بافتخار ونشوة انتصار، مـــن أن إيران تسيطر على أربع عواصم عربية حَدَثَ شديد السلبية فـــي العالم العربي على اتساعه، بالإضافة إلى تهديدات تلوح فـــي الأفق فـــي أكثر مـــن دولة عربية عن استمرار تطلعات الهيمنة الإيرانية، الأمر الذي يشكل وضعاً مقلقاً على المستوى الإقليمي. فـــي الوقت نفسه فإن الدعوة إلى الحوار التي أطلقها وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف، يجب أن توضع فـــي إطارها السليم وألا يُصرف النظر عنها ببساطة، وأن يتم بحث ما إذا كـــان ذلك يشكل تغيراً أو تطوراً فـــي السياسة الإيرانية أم أنه مجرد توزيع أدوار.

إن العلاقة مع إيران يجب أن تُرسم مـــن منطلق عربي، يمكنه أن يتعامل مع مختلف أبعاد هذه العلاقة فـــي الماضي والحاضر والمستقبل، ويُشكل سياسة تتعامل بثقة وفاعلية مع الطموحات الإقليمية الإيرانية. وهنا فوحدة الموقف العربي إذا استطعنا التوصل إليها - تشكل سلاحاً سياسياً أمضى مـــن التحالف مع هذه الدولة العظمى، أو تلك الدولة الإقليمية، وكلتاهما لا تضمر صداقة ولا وداً نحو العرب، ولا تهتم بمصالحهم أو مشاغلهم اهتماماً حقيقياً.

سادساً: بالنسبة إلى تركيا، سيظهر هنا ما يتعلق بطموحاتها فـــي استعادة نوع حديث مـــن الخلافة العثمانية تضم العالم العربي وتحكمه، ولكن بمنطق القرن الحادي والعشرين، بمعنى تحقيق نفوذ تركي وضمان مصالح تركية واسعة لا تتماشى بالضرورة مع المصالح العربية، وذلك من خلال تمكين وجود تركي شَدِيد عسكري واقتصادي وسياسي، مع المساهمة بدور شَدِيد فـــي إعادة تشكيل دول وحكومات المنطقة كلما أمكن ذلك. ومن هذا المنطلق تشكل تركيا تحالفاتها وتتخير أماكن تمركزها، وقد رأينا ذلك فـــي أربعة أمثلة: قاعدة عسكرية فـــي قطر أي فـــي الخليج، ووجود مهيمن فـــي جزيرة سواكن (السودانية) أي فـــي البحر الأحمر لا يُستبعد فيه الوجود العسكري، وموقف سياسي استراتيجي شَدِيد إزاء المناطق الكردية فـــي سوريا والعراق، وكذلك علاقة قوية بل تحالفات مع المنظمات الإقليمية المتطرفة، وكذلك العالمية؛ وعلى رأسها جماعة «الإخوان المسلمين»، وذلك كله مع علاقة تنسيقية مع إيران وسياستها الإقليمية، وتماس إيجابي مع السياسة الـــروسية، وموقع خاص مع الولايات المتحدة والتحالفات الغربية المختلفة.

ومن هنا، فإن تركيا أصبحت تجمع مواقع استراتيجية شديدة التميز، تدعمها قوة اقتصادها، ونجاح إدارتها، وإن كانت سياسات الـــرئيس إردوغان النهائية تثير علامات استفهام كثيرة.

والواقع أن علينا الحذر إزاء طموحات تركيا، وخصوصاً مـــن زاوية تحالفها مع «الإخوان المسلمين»، وعملهما سوياً لتحقيق نظام إقليمي يلبس عمامة عثمانية أو عباءة دينية.

وعلينا نحن العرب، وعلى رأسنا مصر ودول الخليج، أن ندرس بكل عمق ورصانة وتحسب حركة الالتفاف التركية التي تجعل منها قوة فـــي الخليج، وكذلك فـــي منطقة الهلال الخصيب فـــي الوقت ذاته.

سابعاً: إسرائيل: إن علاقة العرب بإسرائيل أو مشكلتنا معها تتعلق بأمرين محددين: أولهما قيام دولة فلسطين وعاصمتها القدس الشرقية، أو إنهاء احتلالها للأراضي العربية المحددة فـــي قرارات الأمم المتحدة، وثانيهما أحلامها التوسعية من خلال تمددها مـــن النيل إلى الفرات. والواقع أن المبادرة العربية التي صدرت فـــي قمة بيروت سَنَة 2002، هي المفتاح إلى سلام تعاقدي ينهي العداء، ويسهم فـــي دفع الأمور فـــي المنطقة نحو الاستقرار.

وأعتقد فـــي هذا المجال أن علينا نحن العرب أن نعلن موقفاً واضحاً إزاء إسرائيل فـــي تعويق قيام الدولة الفلسطينية، وأن نطرح مبادرة إجرائية تتعلق بأجندة السلام المقترحة، على أساس احتمالين تبادليين، إما هذا وإما ذاك، وفي إطـــار زمني محدد، مع مرجعية دولية ذات مصداقية. أقصد بذلك دولة فلسطينية مستقلة، أو دولة واحدة تجمع كل الإسرائيليين والفلسطينيين، وعلى إسرائيل الاختيار.

لقد جعل الإسرائيليون والأميركيون مـــن طرح خيار الدولة الفلسطينية سراباً يجري وراءه العرب، بينما تستعمر إسرائيل أرض فلسطين وتهودها وتقضمها بانتظام وسرعة.

إن خيار الدولة الواحدة يجب أن يوضع على جدول أعمال أي عملية تفاوضية، جنباً إلى جنب مع خيار الدولة الفلسطينية، لقد تفاوضنا على خيار الدولة الفلسطينية لأكثر مـــن ربع قرن دون جدوى، ثم إن التفاوض، إذا كـــان قادماً، فيجب أن يكون فـــي إطـــار زمني محدد، تتوقف بعده المفاوضات، ويتوقف بعده الجديـد عن الدولة الفلسطينية، ومعه يتوقف الجديـد عن الدولة اليهودية، ويبدأ الجديـد الجدي عن الدولة الواحدة لكل مواطنيها إسرائيليين كانوا أم فلسطينيين.

نعم آن الأوان أن نطرح بصورة رسمية ودولياً خيار الدولة الواحدة، وبصرف النظر عن رد الفعل الإسرائيلي الرافض، على أي حال، لكل خيارات السلام العادلة.

ثامناً: إثيوبيا: تعتبر إثيوبيا دولة رئيسية فـــي القرن الأفريقي الذي يضم ثلاث دول عربية، هي السودان والصومال وجيبوتي، كَذَلِكَ عُلِيَ الْجَانِبُ الْأُخَرَ أنها ترتبط بمصر بمصالح قوية، وإن كانت تمثل في الوقت الحاليً طرفاً فـــي مشكلة تتعلق بسد النهضة وتهديده فـــي سنوات ملئه لحصة مصر فـــي مياه نهر النيل.

ولا شك أن اعتبار إثيوبيا جزءاً مـــن أسرة ممتدة مع الدول العربية والإسلامية، أفريقية وآسيوية، يطرح بقوة مسألة المصالح المشتركة، وضرورة مراعاتها وتنظيمها وحل مشاكلها، وعلى رأسها بالطبع المشكلة مع مصر، فـــي إطـــار عملية تنمية واستثمار كبرى، تُبحث فـــي إطـــار نظام إقليمي جديد يتعامل مع تطلعات المنطقة على اتساعها.

المصدر : المصريون