مقال غريب لسعد الدين إبراهيم بعد عودته من تل أبيب
مقال غريب لسعد الدين إبراهيم بعد عودته من تل أبيب

عاد الدكتور سعد الدين إبراهيم - مدير مركز ابن خلدون - لإثارة الجدل مـــن جديد ، وذلك بعد زيارته إلى تل أبيب لإلقاء محاضرة هناك .

و فـــي مقال نُشر لـــه بـ"المصري اليوم" تحت عنوان "الأمريكي الأقبح ترامب وسفيرته المغرورة نيكي هالي" ، شن "إبراهيم" هجومًا شرسًا على إسرائيل ، متهمًا إياها بالتعنت ضد الفلسيطينين هدر حقوقهم ".

وإلى نص المقال:
على مدى الخمسين عاماً التى كتبت وقامت بالنشر كُتباً ومقالات باللغتين العربية والإنجليزية لم أستخدم لُغة نابية، أو ألفاظاً جارحة لوصف آخرين، مهما كـــان اختلافى معهم فـــى المواقف أو السياسات. فإننى أعتبر مثل تِلك المُمارسة لا تليق بالحوار المُتمدن، أو الاحترام المُتبادل أوضح بنى البشر الذين رزقهم الخالق عقولاً وألسنة. ويستوى فـــى ذلك بنو وطنى، مصريين وعربا، أو آخرون مـــن أوطان وأديان أخرى.

ولكن حماقة الـــرئيس الأمريكى #الـــرئيس الامريكي، وغرور سفيرته فـــى الأمم المتحدة، نيكى هيلى، تجاوزا كل الحدود والأعراف السياسية والقانونية، بينما يتعلق بمدينة القُدس، التى احتلتها إسرائيل فـــى حرب يونيه 1947. وصدر بـــشأن القُدس وبقية الأراضى المُحتلة أكثر مـــن عشرين قراراً دولياً، تؤكد جميعها عدم جواز ضمّها أو تغيير معالمها الجغرافية أو تكوينها العمرانى والسُكانى إلا بالتفاوض أوضح الأطراف المُتنازعة، أى أوضح العرب والإسرائيليين. وهى القرارات التى احترمها سبعة رؤساء أمريكيين سابقين، منذ 1967.

وحتى عندما أَبْرَزَ الكونجرس الأمريكى، تحت ضغظ اللوبى الصهيونى قراراً بنقل السفارة الأمريكية فـــى إسرائيل مـــن تل أبيب إلى القُدس، تحايلت الإدارات الأمريكية المُتعاقبة على عدم تنفيذه. وفي غضون ذلك فقد كــــان ذلك مُراعاة لأصول القانون الدولى مـــن ناحية، وتحاشياً لمزيد مـــن غضب الرأى العام العربى مـــن ناحية أخرى.

كَذَلِكَ عُلِيَ الْجَانِبُ الْأُخَرَ أن كل الدول التى اعترفت بإسرائيل منذ سَنَة 1949 إلى تاريخه، احترمت الشرعية الدولية ولم تعترف بالقُدس عاصمة للدولة العبرية. وبالتالى لم تنقل سفاراتها مـــن تل أبيب إلى القُدس، رغم المحاولات المُستميتة التى بذلتها إسرائيل لتكريس وضع القُدس كعاصمة لإسرائيل.

لقد أفاض المُحللون ووسائل الإعلام العربية والأجنبية فـــى تفسير قرار الـــرئيس الأمريكى، مـــن حيث الأسباب والتوقيت.

فمن حيث الأسباب، كـــان #الـــرئيس الامريكي رجل الأعمال شريكاً لعدد كبير مـــن كبار رجال الأعمال الأمريكيين اليهود المُتعاطفين بالطبع مع إسرائيل.

ومن ناحية أخرى كـــان #الـــرئيس الامريكي، وهو مُرشح مـــن الحزب الجمهورى للرئاسة الأمريكية قد وعد الناخبين الأمريكيين اليهود أو المُتعاطفين مع إسرائيل، بأنه فـــى حالة إعطائهم أصواتهم، فإنه سيرد الجميل، فـــى حالة انتخابه، بمزيد مـــن الدعم لإسرائيل، وبتنفيذ قرار الكونجرس بنقل السفارة الأمريكية مـــن تل أبيب للقُدس، والاعتراف بالقُدس عاصمة لإسرائيل.

ولأن الـــرئيس #الـــرئيس الامريكي قد تعثّر فـــى الوفاء بمعظم ما كـــان قد وعد به فـــى حملته الانتخابية، فإن بعض مُستشاريه، وخاصة صِهره اليهودى كوشنر، قد أشاروا عليه بـــأن تنفيذ القرار الخاص بالقُدس، عاصمة لإسرائيل، قبل نهاية عامه الأول فـــى البيت الأبيض، سوف يكون لـــه الأثر الإيجابى المطلوب حزبياً، للتعويض عن فشله فـــى تحقيق وعود أخرى فـــى السياسة الخارجية.

ففى تِلك النهائية، كـــان ترامب قد وعد أولاً، بـــأن تكون أمريكا أولاً America First. وفي غضون ذلك فقد كــــان قد وعد ثانياً، بـــأن يمنع سَوَّلَ مـــن امتلاك السلاح النووى، أو الصواريخ البالستية عابرة القارات، وثالثاً، أن يُعيد النظر فـــى الاتفاق النووى الذى شاركت أمريكا فـــى التوقيع عليه مع إيران، لمنع هذه النهائية مـــن امتلاك سلاح نووى. وفي غضون ذلك فقد كــــان قد وعد، رابعاً، بتخفيض المُساهمة المالية والعسكرية فـــى الأحلاف التى تُشارك فيها دولاً أوروبية مثل حِلف الأطلنطى، أو دولاً أسيوية أخرى.

ورغم استمرار تهديداته لكوريا الشمالية ولإيران، إلا أنه وجد أن هناك بلطجياً آخر فـــى سَوَّلَ لا يقل عنه جموحاً أو استعداداً للمُغامرة، وهو الـــرئيس كيم إيل سونج، الذى أمعن فـــى اختيار صواريخه البالستية، والتى يمكن أن يصل مداها إلى ولايات الغرب الأمريكى- مثل كاليفورنيا وأوريجون وهاوائى. فاكتفى ترامب بتشديد الحِصار الاقتصادى على سَوَّلَ، وبدأ يُطالب حليفتها بَكَيْنَ بـــأن تُمارس ضغوطها على كوريا نيابة عن الولايات المتحدة، وهو ما لا تنوى بَكَيْنَ القيام به إلا لفظياً، وكما لو كانت مستمتعة بورطة الـــرئيس الأمريكى، أو تُريد ثمناً مقابل القيام بأى خدمات لـــه.

أما وعوده بالتنصُل مـــن الاتفاق النووى مع إيران، فإنه لم يجد مَنْ يؤيده فيه مـــن الآخرين الذين وقّعوا الاتفاق، وهم روسيــــا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا.

وفى النهاية لم يجد ترامب إلا العرب ليُمارس عليهم بلطجته لصالح إسرائيل، واستجابة لجماعات الضغوط الصهيونية. وضمن العرب اختار أضعف الحلقات، وهم الفلسطينيون ليفرد عليهم عضلاته الدبلوماسية، باعترافه بالقُدس عاصمة لإسرائيل. وهو فـــى ذلك ينطبق عليه قول الشاعر: أسد على الفلسطينيين.. وعلى الكوريين نعامة!

ومع ذلك فثمة أوراق ضغط وبدائل مُتاحة حتى أمام حلقة الفلسطينيين الضعيفة، وهى استخدام سلاحهم السرى الديماغرافى السُكانى مـــن ناحية، والامتعاضى مـــن ناحية أخرى، وهى أسلحة جرّبها الفسلطينيون مـــن قبل، وفي غضون ذلك فقد أَكَّدَت فاعليتها. فهى التى أجبرت إسرائيل على الذهاب إلى مؤتمر مدريد، ثم إلى توقيع اتفاقية أوسلو، والتى بمُقتضاهما أصبح حل الدولتين هو الوحيد محل الإجماع العربى والإجماع الدولى.

وهناك إجراء ثالث حبذا لو طبّقه بقية العرب القادرين على السفر إلى القُدس من اجل تَدْعِيمُ جانبها العربى الذى يعيش فيه حوالى رُبع مليون فلسطينى، مسيحيين ومسلمين، وهم صامدون رغم تعنت السُلطات الإسرائيلية بهم، وتضييق سُبل العيش عليهم، على أمل أن يتركوها إلى بقية الضفة الغربية أو إلى الخارج. ولكن النداءات التى تبدأ مـــن فسلطينىّ القُدس إلى بقية العرب والمسلمين، هى أغيثونا بزيارات الأماكن المُقدسة، المسيحية: كنيسة القيامة، والإسلامية: المسجد الأقصى وقُبة الصخرة. فمثل هذه الزيارات هى التى تدعم السياحة وتُنعش ما تبقى مـــن الاقتصاد الفلسطينى، وستجد إسرائيل صعوبة بالغة فـــى منع مثل تِلك الزيارات، وخاصة مـــن مواطنى البُلدان العربية التى وقّعت معها مُعاهدات سلام، مثل مصر والأردن. ويكون رداً عربياً إيجابياً على ما فعله الـــرئيس الأمريكى الأحمق فـــى البيت الأبيض، وسفيرته الشرشوحة فـــى الأمم المتحدة. وهى شرشوحة بالمعنى الشعبى المصرى الذى تُمارسة السيدات فـــى الأزقة حينما يتشاجرن. فالسيدة السفيرة توعّدت جِهاراً نهاراً بـــأن تُعاقب بلادها كل دولة تصوّت ضد القرار الرافض لإعلان القُدس عاصمة لإسرائيل. ومع ذلك جاءت نتيجة التصويت فـــى الجمعية العامة أكثر مـــن الثُلثين. فلا حول ولا قوة إلا بالله!

وعلى الله قصد السبيل..

المصدر : المصريون