أستاذ العلوم السياسية: مصر تتحرك فى أفريقيا استناداً لميراث «عبدالناصر».. وتأثيره وصل آسيا وأمريكا اللاتينية
أستاذ العلوم السياسية: مصر تتحرك فى أفريقيا استناداً لميراث «عبدالناصر».. وتأثيره وصل آسيا وأمريكا اللاتينية

ذكــر أستاذ العلوم السياسية بـ«جامعة القاهرة» الدكتور أحمد يوسف إن السياسة الخارجية للرئيس الراحل جمال عبدالناصر انطلقت مـــن مبدأ استقرار القرار الوطنى فـــى السياسة الخارجية، مضيفاً، فـــى حواره لـ«الحياة المصرية»، أن سياسات الـــرئيس الراحل تجاوز تأثيرها مصر لتصل الحياة المصرية العربى وقارة أفريقيا ثم آسيـــا وأمريكا اللاتينية. ويرى «يوسف» أن مصر تسير فـــى الفترة الحالية وفق نفس المبدأ الذى اتبعه «عبدالناصر» بخصوص السياسة الخارجية، وإن كانت تعيش الآن ظروفاً صعبة، حيث تواجهها المخاطر مـــن كل الاتجاهات.. إلى نص الحوار:

ما قراءتك بصفة عامة لسياسات الـــرئيس جمال عبدالناصر الخارجية؟

- نقطة الانطلاق فـــى السياسة الخارجية للرئيس الراحل جمال عبدالناصر هى الإيمان بمبدأ استقلال القرار الوطنى، وفي غضون ذلك فقد كــــان مـــن الطبيعى أن يبدأ تطبيقها بمصر ولكنها انسحبت على باقى سياساته تجاه العالم. فعلى الصعيد العربى مثلاً أهم إنجاز لـــه أنه رعى حركات التحرر الوطنى العربية رعاية تامة، وهذه الرعاية إما أنها أخذت شكل الدعم المباشر كَذَلِكَ عُلِيَ الْجَانِبُ الْأُخَرَ فـــى دعم حركة التحرر الوطنى بالجزائر بالسلاح والتدريب والدعم الدبلوماسى، وكذلك حركة التحرير فـــى جنوب اليمن، عندما كانت القوات المصرية موجودة فـــى شمال اليمن لمساندة الثورة الجمهورية فيها منذ أواخر سبتمبر 1962، وفى يونيو 1963 بدأت مشروعاً من اجل تَدْعِيمُ حركة التحرر فـــى الجنوب دعماً شاملاً مـــن سلاح وتدريب وكل هذه الأمور.

«يوسف» لـ«الحياة المصرية»: استقلال القرار الوطنى نقطة انطلاق الزعيم الراحل فـــى السياسة الخارجية

وهل اقتصر تأثير هذا المبدأ على العالم العربى فقط؟

- مبدأ الاستقلال الذى عمل «عبدالناصر» على تنفيذه فـــى مصر انسحب إلى مجمل العالم العربى، بالإضافة إلى أنه انسحب على العالم، إذ إن سياساته أوجدت زخماً كبيراً لحركات التحرر الوطنى فـــى العالم حتى دون التدخل بشكل مباشر. استطاع «عبدالناصر» أن يكسر احتكار السلاح فـــى 1955 وأن يؤمم الشركة العالمية لقناة السويس فـــى 1956 ويتصدى للعدوان الثلاثى فـــى أكتوبر - نوفمبر مـــن العام ذاته، كل هذا كـــان مردوده هائلاً ليس على الحياة المصرية العربى فقط وإنما على قارات أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية.

عفواً، ألا يحمل هذا الأمر مبالغة؟

- ليس فـــى هذا الأمر أى نوع مـــن المبالغة، لأن هذه الأشياء موثقة فـــى كتب وفى دراسات، مثلاً أنا زرت تنزانيا فـــى ثمانينات القرن الماضى وفوجئت أن إنجازات «عبدالناصر» فـــى ذلك الوقت كانت مسجلة فـــى كتب ودراسات، وفى أمريكا اللاتينية نفس الشىء، وفي غضون ذلك فقد كــــان الـــرئيس الفنزويلى السابق «شافيز» يفتخر ويقول إنه ناصرى، وأيضاً قرارات التأميم كانت دافعاً لحركات التحرر فـــى بقاع كثيرة مـــن الأرض. إذاً هو انطلاقاً مـــن مبدأ الاستقلال طبقه على الصعيد العربى والأفريقى بشكل مباشر، وبشكل غير مباشر فـــى آسيـــا وأمريكا اللاتينية، حيث كـــان التأثير سياسياً ومعنوياً أكثر. الـــرئيس «عبدالناصر» رعى الحركات التحررية فـــى قارة أفريقيا بالطريقة نفسها التى فعلها فـــى الحياة المصرية العربى: إذاعات فـــى مصر ناطقة بلسانها وتدريب عسكرى ودعم دبلوماسى، ولذلك ربما مصر حتى الآن تعيش فـــى أفريقيا إلى حد كبير على تراث هذه المرحلة، لأن الأجيال الشابة التى قادت حركات التحرر الوطنى فـــى الستينات لا تزال موجودة أو بعضهم موجوداً فـــى قمة الهرم السياسى فـــى الدول الأفريقية.

إرسال قوات إلى اليمن كانت لـــه تكلفته لكنه حقق مكاسب استراتيجية لمصر وللمنطقة العربية.. والأجيال الشابة التى قادت التحرر الوطنى فـــى الستينات موجودة فـــى قمة الهرم السياسى بأفريقيا

هل لو «عبدالناصر» موجود فـــى الظروف الحالية، هل كانت سياسته تتماشى مع الواقع الحالى؟

- بالطبع، بدليل أن مصر رغم ظروفها الصعبة فـــى هذه السنوات تتبع سياسة خارجية في الوقت الحاليً أيضاً تنبع مـــن مبدأ استقلال القرار الوطنى، لأن هذه هى السياسة الأصلح، والآن مصر ظروفها أصعب بكثير مما كانت عليه فـــى خمسينات القرن الماضى، ومع ذلك تلاحظ أن هناك نزوعاً إلى الاستقلال فـــى سياسة مصر الخارجية. أيام «عبدالناصر» كانت قضيتها التحرر الوطنى، أما الآن فقضية مصر أن تكون لها سياستها الوطنية المستقلة.

لكن كثيرين أخذوا على «عبدالناصر» مشاركته بقوات فـــى اليمن، فـــى حين يقال إن مصر تجنبت هذا الأمر فـــى أزمة اليمن الحالية عندما شاركت «التحالف العربى»، ما رأيك بهذا الجدل؟

- موضوع اليمن به جدل كبير وأغلب الرأى يتجه لعدم الموافقة على مشاركة مصر فـــى الدفاع عن الثورة اليمنية فـــى ذلك الوقت، وأنا أقول أولاً: أى قائد عنده مشروع سياسى لا يستطيع أن يأخذ جزءاً مـــن هذا المشروع ويترك بعضه. «عبدالناصر» كـــان لديه مشروع عربى لمناصرة الثورة والتنمية والاستقلال فـــى العالم العربى، وهذا المشروع كـــان لـــه تأثير فـــى جميع أرجاء الحياة المصرية العربى، وبالتالى أصبح «عبدالناصر» أسيراً لـــه، لأنه عندما يدعو للاستقلال العربى والوحدة وتأتيه الفصائل القومية فـــى سوريا وتقول لـــه نريد أن نتحد مع مصر، فيرد عليهم بـــأن الوقت غير مناسب، فيردون بأنه لو تخليت عنا ستنهار سوريا وتتحمل أنت المسئولية، وبالتالى يدخل فـــى الوحدة السورية مع أن رأيه كـــان بضرورة وجود مرحلة انتقالية لخمس سنوات والمسألة نفسها فـــى اليمن: الثورة اليمنية تحدث بعد سَنَة مـــن انفصال سوريا الذى دَفَعَ إلى نوع مـــن الْاِسْتِسْلَاَمُ فـــى المكانة المصرية فـــى الحياة المصرية العربى ويستنجد به الثوار، لو خذلهم كـــان يعنى هذا أنه ســـلم بهزيمة مشروعه.

ومصر تحملت تكلفة عالية لهذا التدخل.. أليس كذلك؟

- اقتصادياً وعلى صعيد الخسائر فـــى أرواح الشهداء مصر تحملت تكلفة عالية خِلَالَ تدخلها فـــى اليمن، لكنها مـــن الناحية الاستراتيجية حققت مكاسب، فساعدت شعباً عربياً وعملت على تنميته ودعمت ثورته التى انتصرت فـــى النهاية، والأهم أن ننظر إلى مردود هذا التدخل الذى أوجد نظاماً مستقلاً فـــى جنوب اليمن، ونظاماً جمهورياً فـــى شمال اليمن، بحيث أنك فـــى 6 سنوات فقط بعد الانسحاب مـــن اليمن تستطيع أن تقيم علاقات استراتيجية مع الشمال والجنوب اليمنيين كانت نتيجتها أن وحدات مـــن سلاح البحرية المصرية انتشرت فـــى «باب المندب» بالاتفاق مع الحكومتين فـــى الشمال والجنوب وأغلقت البحر الأحمر على إسرائيل، وهذا نوع مـــن القرارات الاستراتيجية الذى لا تستطيع أن تقيس آثاره بالتكاليف والخسائر، لأن هناك مكاسب استراتيجية مـــن الطراز الأول.

وماذا عن قرار مصر في الوقت الحاليً بخصوص اليمن فـــى إطـــار استدعائنا لتجربة «عبدالناصر»؟

- قرار مصر بعدم المشاركة بقوات برية فـــى اليمن كـــان قراراً رشيداً، مصر شاركت مع «التحالف العربى» فـــى حدود ظروفها وإمكانياتها بقطع بحرية وقوة جوية رمزية، لكن المشاركة على هذا النحو لم تكن بسبب «عقدة اليمن» و«عبدالناصر» كَذَلِكَ عُلِيَ الْجَانِبُ الْأُخَرَ يقال. قد يكون ذلك أحد الأسباب، لكن هناك تهديدات حقيقية تواجه مصر الآن مـــن الاتجاه الغربى تتمثل فـــى محاولات تسلل الجماعات الأرهابية وتهريب السلاح، وفى سيناء كَذَلِكَ عُلِيَ الْجَانِبُ الْأُخَرَ نرى، وأيضاً فـــى صَوَّبَ الحدود الجنوبية، و«عبدالناصر» عندما تدخل فـــى اليمن فـــى الستينات كانت مصر قوة عربية قائدة ولا تواجه أى تهديدات مـــن أى نوع إلا إسرائيل، إنما الآن تواجهها مشكلات مـــن كل الاتجاهات، ولذلك كـــان قرار المشاركة فـــى «عاصفة الحزم» على هذا النحو مبنياً على اعتبارات رشيدة خاصة بالأمن القومى المصرى.

المصدر : الوطن