تجديد الكنائس: الدولة تحمى صلوات «أخويا وابن بلدى»
تجديد الكنائس: الدولة تحمى صلوات «أخويا وابن بلدى»

14 أغسطس 2013، تاريخ لن ينساه قبطى يعيش على أرض عروس الصعيد «المنيا»، 19 كنيسة ودار عبادة مسيحية وعشرات المنازل طالتها يد التخريب والتطرف والعنف والحرق، فـــى هذا اليوم، وبعد أقل مـــن 3 أعوام، كانت المحافظة شاهدة على الوفاء بوعد الـــرئيس ومؤسسات الدولة بإعادة إعمار الكنائس المدمرة قبل 2017، وأنهت القوات المسلحة أعمال إعمار وترميم كافة الكنائس بمراكز المحافظة التسعة، وتواصل الإدارة الهندسية بالقوات المسلحة العمل فـــى كنيسة الأنبا موسى الأسود للأقباط الأرثوذكس، إضافة إلى مجمع أمين بك إبراهيم الطبى، التابع لمطرانية المنيا. وشدد أقباط المنيا الذين التقتهم «الحياة المصرية» على أن الدولة لها الفضل فـــى سترهم مـــن خلال إعادة ترميم الكنائس المدمرة والمحترقة، معتبرين أن دور العبادة تستر المُصلين وتحفظ لهم خصوصيتهم أثناء لقائهم بربهم.

«كل الأشياء تعمل معاً للخير للذين يحبون الله»، هذه الآية هى التى جاءت فـــى ذهنى لحظة وقوفى أمام المذبح المحترق بكنيسة الأمير تادرس بمدينة المنيا، وعينى تفيض بالدموع وأتساءل: لماذا سمح الله بهذا الدمار لبيته؟ وفي غضون ذلك فقد كــــان الرد سريعاً لحظة تَدُشِّينَ ذات الكنيسة وحضورى، ففى نفس المكان عرضـت على نفسى هذا السؤال لأشاهد الإجابة بعينى أن بيوت الله يحميها الله بطريقته، هذه خلاصة ما قاله مايكل وديع، واصفاً فرحته بافتتاح الكنيسة، وتـابع: لى صديق كـــان يعيش خارج مصر منذ سنوات، وعند رغبته فـــى الارتباط بزوجته الحالية، رفض إقامة أكليل بعيداً عن كنيسة الأمير تادرس المحترقة، واتفق مع خطيبته وعائلتها أن يقيم حفل الزفاف بداخل المخيم الموجود على أنقاض الكنيسة المحترقة، ليؤكد أننا لن نترك الكنيسة التى تربينا فيها حتى ولو كانت مدمرة، فالكنيسة فـــى عقيدتنا الأرثوذكسية ليست حوائط ولكنها جماعة مؤمنين، ولتظل أفراحنا رسالة لأولادنا وأحفادنا على مدار التاريخ تؤكد أننا كنا صامدين رغم كل ما حدث للكنيسة لثقتنا أن الله سيعوضنا وأنه أرسل لنا قيادة سياسية وكنسية حكيمة.

المنيا.. شاب مسلم يقيم حفل زفافه على أنقاض كنيسة الأمير تادرس

ويقول عماد ماهر، شاب ينتمى للطائفة الإنجيلية فـــى مدينة ملوى، بعد أعمال الحرق والإرهاب التى استهدفت كنائس المنيا كنا نصلى ونتعبد على «الفيس بوك»، فـــى مجموعات تعرف بكنائس أون لاين على بعض المواقع الإلكترونية، وفي غضون ذلك فقد كــــان كثير مـــن الشباب ينضم لتلك المجموعات، لأنهم لا يجدون كنيسة للصلاة، وحينما أديت أول صلاة بعد تسليم الكنيسة الإنجيلية فـــى ملوى، وهى مقامة منذ القرن 19 وأُعيد بناؤها بالكامل بعد حرقها، شعرت أننى فـــى منزل أبى الذى تعدى عليه وهدمه المخربون والمتطرفون، وشعرت أن المسئولين قريبون جداًً منى وكأنهم جيرانى الذين تآلفوا وأعادوا بناء بيت أبى، وشعرت أن الجيش أعاد كرامتى المسلوبة، كَذَلِكَ عُلِيَ الْجَانِبُ الْأُخَرَ أننى تذكرت أن دار العبادة ستر فـــى أثناء الصلاة الكنسية لأن الإنسان فـــى وضع الصلاة يحتاج لخصوصيه بينه وخالقه، وشعرت أن الدولة أعادت هذا الستر.

«نصيف»: التجديد أعاد لنا الروح التى حاول المتطرفون سلبها.. والقس «شنودة»: فرحتى بالتعايش السلمى أوضح المسلمين والأقباط فـــى «إطسا» أكبر مـــن فرحتى ببناء كنيسة

أما ملاك خليل، مـــن قرية دلجا، فيقول: كنا نقطع مسافات طويلة للصلاة فـــى كنائس القرى المجارة لنا، وعشنا أياماً مـــن العذاب بسبب عدم وجود كنيسة بعد احتراق كنيستنا، كَذَلِكَ عُلِيَ الْجَانِبُ الْأُخَرَ أن مجموعة مـــن الأقباط فقدوا سراً مـــن أسرار الكنيسة فـــى تلك الفترة القاسية، وهو الاعتراف، فهذا السر مرتبط بكاهن الكنيسة، وكنا نواجه حرجاً فـــى الذهاب لمنازل الكهنة لممارسة هذا السر، ومكثنا فترات طويلة دون ممارسته، كـــان ذلك شعوراً قاسياً ومؤلماً بالنسبة للجميع، كَذَلِكَ عُلِيَ الْجَانِبُ الْأُخَرَ أننا حرمنا لأشهر كثيرة مـــن أداء صلوات التسابيح المرتبطة بالأعياد والتى تبدأ مـــن 12 ليلاً وحتى الصباح وهذه الصلوات لها قداستها الخاصة بالنسبة لأى مواطن قبطى.

ويقول عماد نصيف، مـــن قرية بدينى بسمالوط: تجديد الكنائس أعاد لنا الروح التى حاول المتطرفون سلبها، أتذكر حينما هاجم عدد منهم كنيسة القرية، إلا أن العقلاء مـــن المسلمين بالقرية هم مـــن حموها ومنعوا أى تجاوز يمس المعتقدات يحدث بداخلها، وأعادوا الأمور كَذَلِكَ عُلِيَ الْجَانِبُ الْأُخَرَ كانت عليه، ولم يحدث فيها ما أعلنه تنظيم الإخوان الإرهابى.

وتـابع: أثناء مرورى فـــى شوارع مدينة المنيا، رأيت الكنائس المحترقة والدنيا المدمرة سألت نفسى: كيف تستطيع الدولة أن تعيد القيمة التاريخية؟ هل يمكن أن تحدث معجزة لإعادة تلك الكنائس كَذَلِكَ عُلِيَ الْجَانِبُ الْأُخَرَ كانت عليه؟ وهل يمكن أن نشاهد مشهد الدمار لفترة زمنية طويلة؟ وبعد أشهر فوجئنا منذ تولى الـــرئيس عبدالفتاح السيسى بـــأن المعجزة التى كنا نتمناها تحدث بالفعل.

وتقول ميرثا عزيز: اعتقدت فـــى البداية أن وعود الدولة بإعادة الإعمار مجرد مسكنات أو ترضية بالقول دون فعل على أرض الواقع، وقبل نحو 4 أشهر فقط، كانت المفاجأة عندما تلقيت دعوة بحضور تَدُشِّينَ الكنيسة الإنجيلية، فـــى حضور قيادات المحافظة ورجال الدين المسيحى والإسلامى، لم أتمالك نفسى مـــن شدة الفرح حتى إننى بكيت، كنت أدعو أن يحفظ الله مصر بشعبها وجيشها وشرطتها وأبنائها البواسل المخلصين.

«ميرثا»: لم أتمالك نفسى وبكيت مـــن شدة الفرح عند تَدُشِّينَ الكنيسة الإنجيلية.. ودعوت الله أن يحفظ مصر وأبناءها البواسل المخلصين

«لم أفرح ببناء الكنيسة بقدر فرحتى بالتعايش السلمى أوضح المسلمين والأقباط فـــى إطسا»، بهذه الكلمات أكد القس شنودة نمر عياد، راعى كنيسة «الشهيد الْقَدِيرُ مارجرجس»، على الروح الطيبة التى تربط المسلمين والأقباط فـــى إطسا المحطة، موضحاً أنه وفور استخراج التراخيص اللازمة لإنشاء الكنيسة الجديدة فوجئ بتوافد المئات مـــن مسلمى القرية على الكنيسة وقدّموا التهنئة والمباركة للأقباط عقب الحصول على الموافقة بإنشاء الكنيسة الجديدة، أما عماد تواضروس، المقاول المسئول على إنشاء القواعد الخاصة بالكنيسة الجديدة، فيقول إنه بسبب المشاركة الكبيرة مـــن مسلمى القرية خلال أعمال الحفر، هناك إنجاز كبير فـــى العمل، حيث يقدم المسلمون الإفطار الخاص به والعمال، كمشاركة منهم فـــى إنشاء الكنيسة الجديدة.

ويقول عماد صموئيل: كنيسة «شهداء الحياة المصرية والإيمان» فـــى قرية العور بمركز سمالوط، التى أمر الـــرئيس عبدالفتاح السيسى ببنائها، تخليداً لذكرى 21 شهيداً تم ذبحهم فـــى ليبيا على يد تنظيم داعش الإرهابى، كانت حلم أقباط القرية، وبعد إنجاز نسبة كبيرة منها، عاد التآلف واللحمة، ففى غياب الكنيسة يميل المواطن القبطى للتقوقع، فوجود دار للعبادة يشعره بالحرية فـــى ممارسة العقيدة ويمنحه الطمأنينة، وغياب الكنائس إذا امتد لفترة طويلة تتعذر معه إقامة الطقوس الكنسية التى لا يحبذ أن تقام إلا فـــى مبنى كنسى، مثل الزفاف والعماد، والقداسات، وصلوات الجنازة، وحرص الدولة على بناء دور العبادة المسيحية هو حرص على تحقيق أمان المواطن القبطى واحترام مشاعره، ومقدساته، وهذا يكسبه انتماء وإحساساً بالطمأنينة.

المصدر : الوطن