الساحة الموريتانية مقبلة على شتاء سياسي ساخن
الساحة الموريتانية مقبلة على شتاء سياسي ساخن

يواصل المشهد السياسي الموريتاني استئناف حراكه بثاقل كبير بعد العطلة السنوية، رغم أن مؤشرات كثيرة تؤكد أن هذا التثاقل مجرد الهدوء الذي يسبق العاصفة.
ويجمع المراقبون على أن الساحة الموريتانية مقبلة على شتاء ساخن؛ فالتعديلات فـــي الحكومة وفي البرنامج السياسي للرئيس الخاص بما بعد استفتاء الخامس أغسطس/آب لم تخرج للعلن بعد، والمعارضة التي لزمت سباتا لأكثر مـــن شهرين، استعادت لقاءاتها وتجاوزت مشكلة الرئاسة الدورية التي أخرت عودتها للساحة حيث تنازل قطب الشخصيات المستقلة عن الرئاسة لصالح القطب السياسي. وتمكن الـــرئيس محمد ولد عبد العزيز مـــن إعادة مغاضبي «كتلة المواطنة» إلى صفه بعد أن هددوا بمقاطعة صف الأغلبية احتجاجا على ما أسموه «التغييب والإقصاء».
وتتحدث الأوساط الإعلامية المحلية عن تغييرات متوقعة فـــي الحكومة وفي المناصب العليا للدولة، حيث نقلت وكالة «الوئام» الإخبارية المستقلة عن مصادر رفيعة قولها «إن الـــرئيس الموريتاني بصدد إجراء جملة مـــن التغييرات الهامة ستعصف برؤوس كبيرة فـــي النظام».
وأضافت المصادر «أن الـــرئيس محمد ولد عبد العزيز بعد زيارات تفقدية ميدانية وبعد تسلمه للتقرير النهائي للاستفتاء الشعبي وبعض التقارير الأخرى، حسم أمره وأعد العدة لاستبدال مسؤولين كبار فـــي الحكومة ثبت عجزهم عن أداء المهام الموكلة إليهم خلال الفترة السَّابِقَةُ بأطر أكفاء وشخصيات سياسية وازنة للتمهيد للاستحقاقات التشريعية والبلدية والمجالس المقبلة».
وتوقعت المصادر التي نقلت الخبر للوئام أن تبدأ هذه التغييرات بعد اختتام الدورة البرلمانية الحالية.
وفي هذا الصدد، تنصرف الأنظار في الوقت الحالي على مستويات عدة، للتحضير المبكر لانتخابات 2018 النيابية والبلدية ولمنعطف الانتخابات الرئاسية منتصف سَنَة 2019، والمتابعون لهذه التحضيرات يتوزعون أوضح متفائلين قلة ومتشائمين كثرا.
وقد عضد صف التشاؤم مقال نشره أمس أَفْضُلُ مساند لنظام الـــرئيس محمد ولد عبد العزيز، هو الزعيم العروبي البعثي والمنظر السياسي المخضرم محمد يحظيه ولد ابريد الليل.
فقد كتب مؤكدا بعد مقدمة طويلة « فـــي النهاية، كَذَلِكَ عُلِيَ الْجَانِبُ الْأُخَرَ أن كل تصرف وكلَّ قول فـــي هذه الفترة يمُتُّ بصلة إلى الاستحقاقات المقبلة، فإننا نترفَّع إلى مستوى الإرشاد المُلِحِّ، تجنُّبا لعبارة التحذير، وأن نجد أنفسنا عشيةَ الانتخابات الرئاسية محشورين فـــي نفس المربع، وكأن خمس سنوات مـــن الحكم لا تلد ولا تستحق استخلاصات ودروسا».
«فعلى الانتخابات المقبلة، لكي تكون ذات قيمة، يُزَيِّدُ ابريد الليل، أن تقضي على التأزمات الحالية وأن تفتح عهدَا جديدَا مـــن الأمل والتفاؤل، وإلا فإنها ستكون بمثابة طقس مضلل لا طائل مـــن ورائه».
وذكـر «إن الموضوعية والنزاهة الفكرية تقتضي منا الاعترافَ بـــأن كافة المجموعات، وحتى الشخصيات المتمرِّسة، التي ساندت نظامَ الـــرئيس محمد ولد عبد العزيز بتفان وإخلاص، منذ بزوغ شمسه يوم 6 أغسطس/آب 2008، مهمَّشة هي الأخرى ومُبْعَدَة، ووصل الخطأ أو الخطَل فـــي النظرة، حَدَّ التنظير والتحجُّر، وأنَّ على السياسيين التنحِّي عن ساحة السياسة وأن الوقت قد حان ليحل محلهم خلق جديد… سيبدأ لا محالة لفترة غير قصيرة تعلم تلك الأبجدية العصية والقاحلة: أبجدية السياسة، إنه منطق لا يستقيم على قدمين».
وتـابع «إننا نعتبر أنفسنا جزْءا مـــن النظام، وإن تَبَدَّى لنا – شيئا فشيئا – أن هذا الفهم إنما هو مـــن جانب واحد، هو جانبنا، ولذلك نرى أن مـــن واجبنا المشاركةَ، ولو بكلمة، فـــي الحيلولة دون بَتْر الأمل وضَيَاع المشروع، ولا شك أن بيننا وبين نفوسنا خصومةً عنيفةً، ولكنْ، وبعد تردُّدٍ، اِنْتَصَرَ حُبُّ الحقيقة ونبذ الإرادة العاجزة، فبدون ذلك ستكون صداقتنا المفروضة خالية أو كالخالية مـــن النفع».
ومن ضمن الانشغال بمنعطف انتخابات 2019 الرئاسية نشرت الوزيرة السنية بنت سيدي هيبة الخارجة للتو مـــن صف الموالاة للصف المعارض تدوينة تحت عنوان «أحلام يقظة»، ضمنتها حوارا متخيلا (سابقا لأوانه) مع الـــرئيس الذي سينتخب سَنَة 2019، وحشرت فيها مجموعة نصائح مقدمة للرئيس.
وكتبت تقول « كنت هذا الصباح فـــي دردشة مع السيد الـــرئيس الذي انتخبناه بكل شفافية وديمقراطية بموجب استحقاقات 2019 وقد استدعاني بوصفي مواطنة موريتانية مـــن ضمن الكثير مـــن المواطنين للاستئناس بآرائهم حول الطريقة المثلى للخروج بموريتانيا مـــن أزمتها متعددة الأوجه».
وأضافت مخاطبة الـــرئيس «قوموا باختيار فريق حكومي مـــن أصحاب الكفاءات المشهود لهم بالنظافة مـــن المال العام مـــن النساء والرجال ومن مختلف الشرائح والأعراق الوطنية، واتخذوا قرارا فوريا بإلغاء نتائج الاستفتاء على الدستور النهائية، وقوموا بحل البرلمان والمجالس البلدية متعدية الصلاحية واستدعاء كافة الطيف السياسي لإجراء حوار جاد حول الأجندة السياسية المقبلة واتركوا الحوار دون ضغط منكم ليصل لنتائج عليها إجماع حقيقي».
وواصلت الوزيرة بنت سيدي هيبة نصائحها للرئيس مضيفة «أطلقوا سراح السيناتور ولد غدة والمشمولين فـــي الملف مـــن شيوخ ونقابيين وصحافيين واعلنوا وضع نهاية لأي متابعة مـــن هذا القبيل، وقوموا بإلغاء مذكرات الاعتقال الصادرة بحق رجل الأعمال محمد ولد بوعماتو ورفيقه محمد ولد الدباغ وتلك الصادرة فـــي حق مصطفى الامام الشافعي، ووجهوا نداء إلى الشباب الموريتانيين فـــي الداخل والخارج للمساهمة فـــي تشكيل هذه المرحلة المفصلية مـــن تاريخ البلد، وارفعوا اليد عن مؤسسات الاعلام الرسمي لتصبح كَذَلِكَ عُلِيَ الْجَانِبُ الْأُخَرَ ينص على ذلك القانون مؤسسات خدمة وطنية يرى فيها كل مواطن نفسه فـــي التعبير عما يختلج فـــي نفسه سواء كـــان معارضا أو مواليا أو مواطنا عاديا وزودوا وسائل الإعلام الحرة بالوسائل الضرورية وخففوا عنها الالتزامات فبدون نضوجها ستظل الديموقراطية والتنمية فـــي خلل دائم، وأوصوا الوزير المكلف بالعدل بضرورة احترام استقلالية القضاء وبنيتكم فـــي الضرب بيد مـــن حديد على كل مـــن تسول لـــه نفسه التدخل أو الضغط على قرار القاضي وفعلوا الرقابة على القضاة فـــي هذا المجال وشكلوا مجلسا أعلى للقضاء لا ترأسونه ويتكون مـــن كبار القضاة والخبراء فـــي البلد».
وزادت «اجعلوا المعارضة شريكة لكم واستمعوا لرأيها واجروا بها الأجتماعات التي ينص عليها القانون، واحترموا المؤسسة العسكرية كضامن لأمن البلد واستقراره وحوزته الترابية وابعدوها عن أي تدخل للتأثير فـــي الشأن السياسي أو استغلال لنفوذها وأن تكون فـــي خدمة المواطن ومصاله العليا فتلك مهمتها النبيلة».
وبالتوازي مع هذه التفاعلات يواصل ملف «رشاوي بوعماتو» الموضوع تحت نظر القضاء منذ ثلاثة أشهر، تفاعله فـــي الخفاء ملقيا بظلاله على المشهد.
فقد انقضى اثنان وثمانون يوما على سجن محمد ولد غده عضو مجلس الشيوخ المنحل دون أن يحاكم وهو ما أزعج الهيئات الحقوقية الدولية، حيث أكدت كوندي أوفام مـــن منظمة العفو الدولية فـــي تقرير عن زيارة أنهتها توا لموريتانيا «أن السجين محمد ولد غده كـــان جالسا على الأرض خلال زيارتها لـــه فـــي زنزانته التي يتقاسمها مع ثمانية سجناء آخرين».
ونقلت عن السناتور غده قوله «لقد امتنعت مـــن تقديم طلب بالحصول على حرية مؤقتة لأن ذلك ما يريده النظام لكي يترك القضية مهملة».
وتـابع ولد غده، حسبما نقلته الحقوقية كوندي «ليس هناك فـــي قضيتي إلا خياران اثنان، فإما أن يحاكموني أو يطلقوا سراحي».

المصدر : الجزائر تايمز