عقلك يسرقك دون أن تشعر.. لماذا نشتري ما لا نحتاجه ونستمتع بالتسوق دون هدف؟
عقلك يسرقك دون أن تشعر.. لماذا نشتري ما لا نحتاجه ونستمتع بالتسوق دون هدف؟

قد لا ندرك فداحة ما فعلناه، إلا عندما تعلن ماكينة الصرافة عن نفاد رصيدنا، ونتذكر كم استغرقنا مـــن الوقت لجمع هذا المبلغ الذي أنفقناه فـــي أقل مـــن أسبوع، ولكن للأسف قد فعلناه. الشعور الأول لدى الجميع هو الإنكار، كَذَلِكَ عُلِيَ الْجَانِبُ الْأُخَرَ لو أنّ شخصًا غيرك مـــن أنفق كل هذا، ربما هناك خطأٌ ما مـــن البنك، ربما هناك شخص سرق بطاقتك لعدة ساعات قضى فيها على رصيدك وأعادها لمحفظتك، دون أن تلاحظ، وهنا نحن سنعرفك على الجاني الحقيقي.

مـــن أين جاءت شهوة التسوق؟

لا تنكر، فأنت واحد مـــن آلاف يقفون كل صباح أمام خزانة الملابس، وتشعر أنه لا يوجد ما يناسبك لترتديه، وإذا طاوعت نفسك وقررت الذهاب للتسوق، ربما ستشتري نفس المقاس، ولونًا قريبًا – وربما التصميم نفسه – لقميص أو فستان فـــي خزانتك بالفعل، وما أن تكتشف الأمر حتى تنزل باللعنات على الماركات العالمية الغالية، وخبراء الإعلان الذين حصروك فـــي دور شخص يلهث كلما مر بمحل أحذية ذي أرفف مغرية.

ولكن الحقيقة البسيطة هي أنه لا يمكن الدفع بك لشراء منتج أنت لا تريده حقًا، ومع ذلك نحن نشتري أشياء لا نحتاج لها، فعمليًا نحن لا نحتاج إلا لقميص واحد، وبنطلون واحد، نرتديهم كل يوم، ويحققون الشكل الاجتماعي المطلوب، ولكننا نملك 10 قمصان فـــي خزانتنا مـــن أجل الاجتماعات الهامة، وتغيير اللون كل يوم؛ خشية تأثير التكرار على مستقبلنا المهني، ونظرة الجنس الآخر لنا.

Embed from Getty Images
أفكارنا هذه عن أنفسنا لا تعني بالضرورة أننا نعيش فـــي عالم شره رأسمالي يحكمه الماديون ويتبع النظام العولمي، ولكن الأمر مرتبط بكيف أصبح التسوق همنا الأول، ففي بداية التاريخ كـــان الأثرياء جدًا هم فقط مـــن يملكون رفاهية تعدد قطع الملابس، وتصميم الموديلات عند خياط محترف، وملابس للصيف، وملابس للشتاء، وملابس نهارية وأخرى للسهرة؛ للتباهي والتميز عن العامة.

كـــان العامة – مثلنا – لا يملكون المال لهذه المظاهر، فكانت الملابس صعبة التصميم، ومكلفة، على عكس وضعها الحالي، وفي غضون ذلك فقد كــــان هناك خياط واحد يملك أدواته، وصانع أحذية واحد يصنع الأحذية مـــن جلد الحيوانات الغالي، فـــي وقـــت لم يكن فيه ثمة جلود مصنوعة، ما يضاعف سعر المنتج لندرته، والجهد المبذول لصناعة قطعة واحدة، فكنا نمتلك معطفًا واحدًا، وقبعة واحدة، وحذاءً واحدًا، نحافظ عليها طوال حياتنا، لم نكن نشتري المزيد؛ لأننا لا نهتم بالترقية وحضور أعياد ميلاد فـــي مطاعم غالية، والتبديل أوضح ملابس للبحر ولباس رسمي للعمل، ولباس يناسب الجامعة، وآخر للمواعيد الغرامية.

كل الأساسيات فـــي حياتنا اليوم، لم تكن كذلك لأجدادنا فـــي بداية التاريخ، فمن الناحية العملية لم نكن بحاجة إليها مـــن أجل بقاء جنسنا البشري، ولكنها اليوم تجعل الحياة أسهل، وتزيد مـــن فرص حصولنا على مركز اجتماعي وثقافي نجده اليوم ضروريًا؛ ما يجعل وصف هذا التحول أوضح عصرين بالمادية خاطئًا، ولكنه التحرر، تحرر رغبة بداخلنا لم تُتح لها الفرصة قبل ذلك، تحرر مـــن قيد الطبقات الاجتماعية بمعناه السلبي، والتقيد بمعايير اجتماعية واقتصادية جديدة نراها نحن بعين رائعة، ما يجعل التخلي عنها صعبًا.

عقلنا عدونا

جزء مـــن شخصيتنا والمتحكم فـــي أفعالنا مرتبط بكيمياء المخ التي تتحكم فـــي كل منا، ولكن نتيجة دراسة منشورة فـــي مجلة «نيورونز» بَرْهَنْت أن للمسرفين ميل كيميائي للإنفاق، فالعملية الكيميائية التي قد تحدث بمخ المشتري وتساعده على التفكير بسؤال: هل أنا أحتاجها حقًا؟ والرد على: كيف أخرج مـــن المول بدون أن أشتري شيئًا؟ هذه العملية بمخ المنفق المسرف لا تحدث، وكأن عقله فـــي سبات عميق يمنعه مـــن التفكير باحتمال إعادة المشتريات للأرفف والمغادرة دون جر عربة مملوءة بمنتجات لا نعرف متى وكيف ولماذا قد نستخدمها، وهذا ما يساعد على تفسير ضعف البعض فـــي مقاومة رغبتهم فـــي شراء كماليات، بينما الآخرين لا ينفقون ما معهم على أشياء مهمة؛ ليفكروا فـــي بدائل أوفر، أو إمكانية الاستغناء مـــن الأساس.

Embed from Getty Images
نود جميعنا مـــن أنفسنا اتخاذ قرارات عقلانية واعية بـــشأن ما نخطط لشرائه، هل نحتاجه فعلًا؟ هل تسمح ميزانيتنا؟ هل يمكننا التأجيل؟ هل يتوفر نفس الغرض بسعر أرخص؟ هل سيتبقى مـــن الراتب ما يكفي الطعام والدواء وفاتورة الكهرباء؟ وبالتأكيد نعتقد أن قرارنا مستند لاحتياجنا للمنتج مع قدر تكلفته، ولكن مجموعة مـــن باحثي الاقتصاد فـــي جامعة كارنيجي ميلون، وعلماء نفس مـــن ستانفورد، اكتشفوا أن عامل الحاجة وعامل التكلفة عاملان بارزان فـــي قرار الشراء، ولكن الاعتماد عليهما لوصف قرارنا بأنه عقلاني وواع غير صحيح، فالمنفق فـــي هذه اللحظة يكون فاقدًا للوعي حرفيًا، ويسير خلف عاطفته.

فقد بَيْنَ وَاِظْهَرْ بحث منشور فـــي يناير (كانون الثاني) 2007 عن اختلاف نشاط كيمياء المخ أوضح المنفقين والمدخرين فـــي اللحظات القليلة قبل عملية الشراء، للدرجة التي يتنبأ بها الباحثون ما إذا كـــان هذا الشخص سيشتري كل ما معه فـــي عربته، أم سيعيد التفكير فـــي أهمية بعض الأشياء ويتركها فـــي عربة المول، وهو ما يطلعنا على السارق الحقيقي لبطاقة ائتمانك الخاصة، للأسف هو عقلك.

فـــي رأسنا ملاك نائم وشيطان يقظ

لاختبار نشاط عقلنا وقـــت التسوق أجرى باحثون دراسة على 26 شخصًا، وأعطوا لكل واحد 40 دولار نقدًا، وكاميرا مراقبة للقاعة المجتمعين بها، وقاموا بتوزيع صور ورقية للمنتج، وخلف الصورة مدون عليها سعره، فإذا اختار الشخص شراء المنتج، تم خصم سعره مـــن الـ 40 دولار، ويكون المنتج ملكًا لـــه.

Embed from Getty Images
لم تختلف النتيجة أوضح الـ 26 شخصًا؛ ما أثار دهشة الباحثين، ففور رؤيتهم صورة المنتج ترسل مجموعة خلايا عصبية إشارات إلى منطقة فـــي الدماغ تسمى نواة أكومبنس، ويظهر بها نشاط يعني أن الشخص يحب ويرغب بينما يراه، وتعتبر هذه النقطة فـــي المخ مركز التشويق، ومستقبلة للدوبامين: هرمون السعادة والإثارة والاستعداد لحدث سيشبعنا، مثل رؤية طبقك المفضل يخرج مـــن المطبخ تعلوه الأبخرة، وهنا كانت النتيجة الأولى للتجربة، عند رؤية منتج نحبه، يزيد النشاط فـــي نقطة بقاع مخنا، تنبهنا إلى إمكانية حدوث أمر يسعدنا، وهو قدرتنا على شرائه بالفعل.

النتيجة الثانية تعلقت بالسعر المدون خلف الصورة، والتي أثارت النشاط فـــي نقطة مختلفة فـــي المخ، وهو النشاط الذي ينبئ الباحثين بقرار الشخص شراء المنتج أو لا، قبل أن يقرر الشخص نفسه، ويشبه هذا النشاط فـــي حدوثه ما يحدث عندما تدرك أنك ستغلق الباب على أصبعك، أو وجود أكل متعفن على الكرسي الذي ستجلس عليه حالًا، ويحدث هذا النشاط بمنطقة أنسولا فـــي المخ، وهي العكس لنواة أكومبنس.

عندما تنشط الخلايا العصبية بمنطقة أنسولا، فإن قرارنا بعدم الشراء قد تم بلا وعي منا، فمخنا فقط قد توقع ألمًا يقترب – دفع مبلغ كبير- والقرار الواعي يلحق بالقرار اللا واعي بعد تفكير بعيد عن نشاط العواطف، ولكن ما فاجأ الباحثين أن الـ 26 شخصًا لم تنشط عندهم منطقة أنسولا، وجميعهم يقضون بقيته نادمين.

أنت لا تشتري ما تشتريه

هناك فكرة أخرى مـــن ناحية اجتماعية بأننا لا نشتري الأشياء، ولكن نشتري الإحساس الذي يمنحنا إياه امتلاكها، فلا نشتري البنطلون، ولكن نشتري شعورنا بالراحة ومساواتنا بمن يشترون نفس الماركة، والتقاط صورة مع أصدقائنا دون حرج الظهور وسطهم، فنحن نشتري بعاطفية.

Embed from Getty Images

فكرة أخرى تغض النظر عن صحة قرارنا شراء المنتج أم لا، وعن تنفيذ القرار، ففي الحالتين تحركك عواطفك، ولكن كيف يكون قرار شراء الأرخص والأوفر عاطفيًا؟ إذا كنت تعتبر نفسك شخصًا محصنًا ضد إغواء الإعلانات، واقتصاديًا يفضل شراء الرخيص عن الغالي، فمحركك عاطفي جدًا، لأن داخلك يقَدَّمَ لتأكد نظرتك عن نفسك، نفسك هنا التي تردد: أنا أذكى مـــن الجميع، لن أقع فـــي هذا الفخ.

بالضبط عندما تدفع اشتراك النادي، فأنت تدفع مقابل جسد رياضي، وعندما لا تشتري وجبات سريعة، فأنت تشتري صحتك، وعندما تشتري طاولة طعام لا تشتريها كأداة، ولكن كمظهر اجتماعي، يمكنك وضع المشروبات عليها واستضافة أصدقائك حولها.

فـــي عصرنا صنعنا نظامًا فيه الاقتناء شرط أساسي للنجاح، فإذا ذهبت لاختبار وظيفة جديدة بدون ملابس رسمية نظيفة؛ ففرصتك فـــي النجاح أقل بكثير، وفرصة زميلك الذي يمتلك سيارة فـــي الحصول على راتب أعلى منك تزيد، وكي تصبح مندوب مبيعات جيدًا يجب عليك الإنفاق على مظهرك أكثر مـــن العادي، وفرصة الفتاة المتأنقة بشعرها المرتب كل يوم ومكياجها الكامل فـــي الوصول لمنصب مدير مكتب الـــرئيس أكبر مـــن فتاة لا تضاهيها فـــي المظهر، وهذا هو السبب فـــي شرائنا أشياء لا نحتاج إليها.

كيف نوقف وسواس الشراء القهري؟

العمل بمكتب فـــي وسط المدينة مؤذٍ لأصحابه، تخيل المرور يوميًا بمحلات الملابس والأحذية الاكسسوات والماكياج، الوضع فظيع؛ الأمر قد يصل إلى قضاء السهرة أو العطلة فـــي التسوق مع الأصدقاء باعتباره ترفيهًا، وليس ضرورة، حتى أننا نحمل أكياس الفيشار وعلب البيبسي، بينما ننتقل مـــن قسم الفساتين إلى الملابس القطنية العملية، وبعدها بأيام نرتدي ما اشتريناه مرة، وبمجرد لبسه يصبح غير مرئي، غير مناسب مثل الباقي؛ لنعيد دورة التسوق، ولقاء الأصدقاء ثانية، ولكن فـــي البداية لماذا علينا إيقاف العجلة؟

Embed from Getty Images
بجانب المحافظة على أموالنا القليلة مـــن أن تضيع هباءً بالطبع، فإنه وفقًا لمنظمة العمل الدولية، فإن 170 مليون طفل يعملون فـــي صناعة الملابس والنسيج حول العالم؛ ما يرجع جزئيًا إلى الطلب الهائل على نموذج الملابس العصرية الرخيصة فـــي العالم الغربي، وهو النموذج الذي انتقل إلينا بافتتاح فروع لماركات عالمية فـــي الوطن العربي، وتهافت الأغنياء وأنصاف الأغنياء على الشراء منها فـــي الوقت الذي تعتبر فيه ماركة الطبقة متوسطة الدخل فـــي الغرب.

سبب آخر: صناعة الملابس – مثلًا – واحدة مـــن أكثر الصناعات تلويثًا فـــي العالم، وسبب هذا التلوث هو الكم الهائل مـــن المنسوجات الموجود فـــي النفايات، فحوالي 85% مـــن 15 مليون طن نفايات فـــي سَنَة 2013 كانت منسوجات، والتي تُباع فـــي الدول النامية بسعر أرخص فـــي أسواق الملابس المستعملة؛ ما يفتح بابًا للمنافسة على الباعة الأصليين. هذه المنافسة ليست موضوعنا، الأهم هو كيف نتخلص مـــن عاداتنا اللاواعية هذه؟

هي طرق كثيرة تعتمد على شخصيتك، إذا قررت التوقف عن الشراء دون الحاجة، فبدلًا عن مقابلة الأصدقاء بالمول التجاري الضخم، يمكنكم التقابل فـــي منزل أحدكم، أو فـــي حديقة، أو على الشاطئ. وإذا كنت تمر يوميًا على محلات غالية الثمن، حاول أن تغير طريقك، أو بدلًا عن ركوب الأتوبيس والتاكسي، اذهب إلى عملك بمترو الأنفاق؛ حتى يصعب عليك التوقف عند مطعم جديد، أو فرع لماركة معروفة.

لا تلقِ فواتيرك فور دخول المنزل لتفرح بمقتنياتك الجديدة، احتفظ بالفواتير؛ لتتذكر كم دفعت مقابلها، وكم يتبقى فـــي حسابك. لا تستخدم بطاقة الائتمان وأنت تتسوق، مـــن الأفضل أن تحمل نقدية؛ لتعرف كم دفعت. وحاول ألا تستخدم كل الملابس والأحذية الجديدة مرة واحدة، فاتركها ولا تنزع بطاقة السعر مـــن عليها، ولا ترتدِها، إلا إذا احتجت فعلًا لذلك، وستمر أشهر حتى تحتاج لهذا، وطوال هذه الفترة سيغمرك شعور بالذنب، إذا فكرت بشراء الْحَديثُ، ومازال الْحَديثُ بخزانتك.

المصدر : ساسة بوست