إثبات الوجود والتدين الصوري
إثبات الوجود والتدين الصوري

يبدأ الإنسان حياته بالصراخ، وكأنه يريد أن يُسمع العالم أن هنالك شخصًا ما قد أتى إلى هذا العالم ليثبت لهم، يكبر قليلاً ليصبح ذلك الطفل المدلل صاحب الطلبات والرغبات التي لا ترد، يحَصَّل المدائح مـــن أسرته بشكل دائم فـــي مرحلته العمرية الأولى ليشعر حينها أنه الأفضل، والأجمل وأنه يجب على العالم أن يفسح الطريق أمامه لأنه شخص استثنائي، ليكتشف بعد أن يخرج مـــن محيط الأسرة إلى المدرسة أن العالم لم يقابله بالطريقة التي تعود أن يتلقاها ليبدأ عندئذ بابتكار طرق تجعل محيطه يلتفت إليه ويصفق لـــه، فيبقى يحاول ويبتكر طرقًا وأساليب عديدة، ونتيجة نقص خبراته يصاب بالخيبة؛ فيدرك بعد مدة أنه يجب عليه أن يسلك ثلاثة طرق ليصبح محل إِحْتِرام وإعجاب الناس.

– الطريقة الأولى: التنافس الشريف فـــي مقاعد الدراسة ليحقق الرضا عن النفس كونه معجبًا بعقله، وهذه نزعة فطرية لدى كل البشر، ويعتبر العلم أحد أهم أسباب إثبات ذلك.

– الطريقة الثانية: التعامل بإيجابية مع المجتمع المحيط به، والسير وفق مسارين لتحقيق ذلك مـــن خلال طريقة التخاطب وروح المرح، وعن طريق خدمة المجتمع بفاعلية ذات أثر ملموس، كل هذا يعد أشياء جيدة بغض النظر عن النوايا والدوافع المؤدية لذلك، كثير مـــن الناس يفشل فـــي الخطوتين السابقتين فيضطر للهروب إلى طريقة أخيرة وهي :

– الخطوة الثالثة: التدين الصوري الذي يعبر عنه الشخص المتدين الذي يلبس عباءة الدين، ويرى أن التدين مظهرًا وليس سلوكًا، يراه أنه طريق لكسب رضا الناس وليس لكسب رضا رب الناس، يراه أنه طريق للوصول إلى كرسي الوعظ، أو كرسي الحكم، قد يراه أنه مـــصدر للدخل المادي والأمثلة كثيرة على ذلك، فمن ضمن الأمثلة: المتاجرة بالقرآن مـــن أجل المال، فتجد أنه يتحول إلى الراقي الشرعي وصاحب العلاج السحري للأمراض المستعصية والفتاكة؛ فيستخدم القرآن كتاب الهداية والتشريع إلى صيدلية تحوي كل الأدوية فيحقق مكسبين: رضا الناس البسطاء وهم السواد الأعظم وأيضًا الكسب المادي؛ وليس كل مـــن يسلك ذلك السلوك غير بريء، فهنالك أناس مخلصون ويريدون رضا الله، سواء أكانوا على علم أم جهالة، لكن تبقى المشكلة الكبرى والخطيرة عندما يصبح التدين الصوري مطية لتحقيق مكاسب دنيوية قد تتحول إلى وباء قاتل ينتقل مـــن الأفراد إلى الجماعات ليجعلوا الشعارات الدينية فـــي مقدمة برامجهم السياسية أو الطائفية المقيتة لخداع عامة الناس بمدى أحقيتهم فـــي التحكم بمصائر البلاد والعباد؛ ليس لأن لهم الحق أو المقدرة على حيازة المناصب والمكاسب، وإنما لأنهم يمارسون طقوسًا دينية لا يستطيع أحد أن يمارسها أو يستحقها لأنها هبة مـــن الله لمن يشاء مـــن عباده حسب زعمهم.

وهذه إحدى المشاكل الأساسية التي أثرت على المجتمعات سلبًا، يلجؤون لهذه الطريقة البسيطة؛ لأنها سهلة ومقدور عليها، فكل ما يجب عليك فعله أن ترتدي ثياب المتدين والواعظ وليس بالضرورة أن تطلب العلم فـــي الجامعات والكليات الشرعية؛ فهم يحرمونها لأنها حلت محل المساجد، ولا ينبغي لها حسب زعمهم، فقد كـــان السلف يتعلمون فـــي المساجد وليسوا بحاجة لشهادات تثبت مدى أحقيتهم بتصدر الوعظ والإفتاء، ناهيك عن تفسير الأحلام الذي لا يعتبر علمًا وليس لـــه صلة بالعلم، ليست المشكلة فيهم؛ فهم مدركون عدم أحقيتهم بحيازة ما هم عليه؛ لكن المشكلة فـــي المجتمع الذي جعل منهم فقاعات تتعاظم وتنتشر.

وما الأفكار المتطرفة اليوم إلا إحدى نتائج ذلك الفكر المتطرف الصادر عن تلك العقليات المتحجرة التي تنظر أنها صاحبة الأمر والنهي، لتكره الناس على اتباع نهجهم والسير خلفهم مع عدم السماح لهم بالنقد أو حتى التفكير، لتكبر الكارثة وتتعاظم لتصبح الضحية مجتمعات بريئة غير قابلة للمزيد مـــن الخراب.

المصدر : ساسة بوست