خطيب الحرم المكي: الحج يعلّم العقل التسليم للأحكام الربانية
خطيب الحرم المكي: الحج يعلّم العقل التسليم للأحكام الربانية

أوصى إمام وخطيب المسجد الحرام الشيخ الدكتور فيصل بن جميل غزاوي المسلمين بتقوى الله عز وجل فـــي السر والعلن.

وذكـر "غزاوي": فـــي خطبة الجمعة التي ألقاها بالمسجد الحرام اليوم : إن للحج أسراراً سامية وحكماً عالية ومقاصد منيفة, فليس عبثاً أن يجعله الله أحدَ أركان الإسلام التي لا يقوم إلا بها, وليس عبثا أن يجتمع المسلمون لأداء هذه الفريضة فـــي مكان واحد وزمان واحد ولو تأملنا فـــي ذلك لوجدناه دليلاً واضحاً على إرادة وحدة المسلمين وأنهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى لـــه سائر الجسد بالسهر والحمى.

وتـابع: للحج دروس عظيمة منها تذكيرُ الأمة بـــأنَّ أعظمَ ما يَجب أن تَهتم به هو تحقيقُ التوحيد لله وتحقيق الغاية القُصوى فـــي الخضوع والتذلُّل لـــه, ذهـــــــــــبًا وإرادة، قصدًا وعملاً، ولذا #فتح النبي صلى الله عليه وسلم حجته بالتوحيد قائلاً " لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريكَ لك لبيك ", وكذلك الأنبياء مـــن قبل كانوا يلهجون بالتَّوحيد ويلبُّون به.

وأردف: كـــان لزاماً على المسلم أنْ يكونَ على دراية عظيمة بهذا المعنى فـــي حياته كلها، مراعيًا لـــه فـــي كلِّ جانب، فلا يسأل إلا الله، ولا يستغيث إلا بالله، ولا ينذر ولا يذبح لغير الله ولا يتوكَّل إلا على الله، ولا يطلب المدد والعون والنَّصر إلا مـــن الله، مستيقناً أنه هو المتصرف فـــي شؤون الكون، فالله وحده هو الخالق والرازق والمحيي والمميت والمبدئ والمعيد والنافع والضار, المتفرد بإجابة الدعاء الذي لـــه الأمر كله, وبيده الخير كله, القادر على ما يشاء, المقدر لجميع الأمور المتصرف فيها المدبر لها, ليس لـــه فـــي ذلك كله شريك.

وشدد "غزاوي" على أن الأساس الراسخ لاستقرار حياة الأمة هو تحقيقُ التوحيد لله جلَّ وعلا فـــي مناحي الحياة كلها، ذكــر تعالى : ?الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ?، وأن مما يلحظ فـــي حجته صلى الله عليه وسلم الإكثارُ مـــن الدعاء فـــي مواقف ومواضع كثيرة، فقد دعا ربه فـــي الطواف، وعند الوقوف على الصفا والمروة، وأطال الدعاء بعرفة، وفي مزدلفة، وأيام التشريق بعد رمي الجمرتين الصغرى والوسطى, وفي غضون ذلك فقد كــــان كثيرَ التضرع والمناجاة لله وحده ولم يدع معه غيره ولم يدع نبياً ولا ولياً ولا ميتاً ولا وثناً ولا حجراً ولا شجراً بل ذهـــــــــــب لله وحده بالدعاء لأن الدعاء هو العبادة فعلمنا صلى الله عليه وسلم ألا نصرفه لغير الله ولا نصرف شيئاً مـــن العبادة لغيره سبحانه.

ذكــر خطيب الحرم المكي: مما يعلمنا الحج أن يحرص المرء على إخلاص العمل لله، ذكــر تعالى : (وأتموا الحج والعمرة لله)، وامتثل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم عند إحرامه فقال : "اللهم حجة لا رياء فيها ولا سمعة" فيطلب الحاج بعمله وجه الله لا يسمع الناس بعمله ولا يرائي ولا يفسد عمله بالرياء ولا يرتكب ما ينافي الإخلاص، فيطلب أن تلتقط لـــه الصور أثناء حجه يريد أن يرى الناس عمله وهو محرم، ويحب عند رجوعه إلى بلده أن يحَصَّل بالترحاب ويقال لـــه الحاج فلان.

وأَلْمَحَ الشيخ فيصل غزاوي إلى أن مـــن دروس الحج، تعليم العقل غضون التسليم والإذعان للأحكام الربانية بإثبات عجزه وعدم مقدرته على تفسير أمور يفعلها ولا يعلم سرها الحقيقي ولا يعقل حكمةً ظاهرةً ولا معنى واضحاً لها كرمي الجمار والتردد أوضح الصفا والمروة والمبيت بمزدلفة تحت السماء وغير ذلك وإن كـــان قد ذكـــرت بعض الحكم فـــي تلك الأعمال إلا أن الأمر يبقى على أنها أعمال تعبدية يؤديها المرء بطواعية وانقياد ومطلوب مـــن المسلم أن يعيش كَذَلِكَ عُلِيَ الْجَانِبُ الْأُخَرَ أمره الله مخلوقاً مطيعاً مخبتاً واقفاً عند حدود الله التي شرعها لـــه، فإن ظهر لـــه السر والحكمة مـــن التشريع أخذ به وإلا فهو مهيئ نفسه للإذعان والمبادرة لأمر ربه دون تردد ولا تشكك ولا مراء.

وتـابع: ألسنة الحجيج تلهج "بلبيك اللهم لبيك" والمعنى استجابة بعد استجابة وطاعة بعد طاعة فعلمنا الحج أن نستجيب لخالقنا ونُهرع إليه ونبادر بطاعته ونكف عن معاصيه طيلة حياتنا وليس فـــي وقـــت دون وقـــت، ذكــر تعالى : (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ..).

وأردف: مما هو معلوم أن الحج لن يكون مبروراً إلا إذا امتنع المسلم عن المحظورات وحافظ على حجه فلم يرفث ولم يفسق وألزم نفسه التقوى وجاهدها وكبح جماحها, وهذا يعلم المرء التعود على الخصال الحميدة والآداب المرعية حتى تكون لـــه سجية.

وتاباع: إذا ألزم نفسه بها وعودها عليها خرج بعد ذلك وقد راض نفسه وتوجها بتاج الأخلاق وزينها وحلاها بذلك فيتجنب رذائل الأخلاق كالسباب والسخريةَ والفحشَ واللعنَ والطعن والغيبة والنميمةَ والكذب والغش والخيانة وغيرها مـــن الأمور التي ليست مـــن سِمَات المؤمنين التي هي سبب البغضاء والتنافر والتباغض وفي المقابل يراعي أخوة الإسلام التي تطلب مـــن المسلم العطف والرحمة والشفقة والمساعدة والمواساة والتعاون ويتحلى بأخلاق المؤمنين كالحلم والصبر والعفو عند المقدرة والتواضع والسخاء وغير ذلك وهكذا يعيش المسلم فـــي الحج فـــي هذه المدرسة التي يحَصَّل فيها أنواعا مختلفة مـــن الدروس العلمية والعملية.

المصدر : صحيفة سبق اﻹلكترونية