خطيب الحرم: الهلع صناعة يمتهن ترويجها المرجفون والمنافقون لتقويض الاستقرار المجتمعي
خطيب الحرم: الهلع صناعة يمتهن ترويجها المرجفون والمنافقون لتقويض الاستقرار المجتمعي

تواصل – فريق التحرير:

أوصى فضيلة إمام وخطيب المسجد الحرام الشيخ الدكتور سعود بن إبراهيم الشريم المسلمين بتقوى الله عز وجل والعمل على طاعته و اجتناب نواهيه.

وذكـر فضيلته فـــي خطبة الجمعة التي ألقاها اليوم فـــي المسجد الحرام إن النسيم فـــي هذه الحياة لا يهب عليلا على الدوام والماء الجاري لا يدوم صفوه فكم مـــن نسيم اعترته العواصف وكم صفو عكره الكدر فإن صروف الحياة وتداول الأيام يعتريها خليط مـــن المد والجزر والزين والشين واليسر والعسر والفرح والترح فتلك سنة الله فـــي خلقه فإن مـــن إن لم يخل مـــن المصيبة وقل ما ينفك عن عجيبة وما النفس إلا كدر وصفو طعم لـــه مر وطعم حلو ،لا سرمدية فـــي هذه الحياة لشيء دون ضده فتلك هي سنة الله التي لن تجد لها تبديلا ولا تحويلا ذكــر تعالى (قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمداً إلى يوم القيامة مـــن إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون ، قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمداً إلى يوم القيامة مـــن إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون ).

وبين وأظهـــر فضيلة إمام المسجد الحرام أن التحذير مـــن الهلع والأمر بمدافعته أو رفعه لا يعني أبداً التقليل مـــن شأنه ولا أنه وهن على الدوام ، فمن الهلع ما يوجب الحيطة والحذر وبذل أسباب الوقاية منه حتى لا يجذم التخذيل مكانه ولا الاستسلام ولا القعود أو يصبح عنصر سلبيا فـــي مجتمع بأقصى درجات السلبية المبنية على احتكار الفرد ما يأتيه مـــن الخير وعلى الاضطراب والجزع إثر كل بلية تحل به وإن صغرت والله جل شأنه استثنى مـــن آفة الهلع المصلين والمتصفين بلوازمها ، وإن مجتمعا يداوم على الصلاة وينفق مما آتاه الله ويصدق باليوم الآخر ويشفق مـــن عذاب ربه ويحفظ أعراض ذويه ويؤدي أماناته ويقوم بشهاداته ، فإن مجتمع كهذا لن يأتي به الهلع ولن يكون مـــن بابته فـــي ورد ولا صدر ولن يبدل الله آمنه خوفا ، فكيف يشقى قوم أكرمهم الله فـــي هذا الكتاب فتمسكوا به ، وكيف يقع فـــي التيه مـــن اهتدى بهديه واستنار بنوره.

وتـابع فضيلته أن الحياة بلا أمل قنوط جاثم والأمل بلا عمل تمني كاذب وديننا الحنيف يدعو إلى الفأل والأمل اللذين يستصحبان الجد والعمل وبذل الأسباب والحذر كل الحذر مـــن مرجف يذكي بإرجافه الهلع ويأصل القناعة الوهمية بـــأن الزمان قد فسد برمته وأن المجتمعات قد هلكت وخراب دنياهم قاب قوسين أو أدنى وأنه لاخير باقي يرجى ليصدق فيه قول الرسول صلى الله عليه وسلم (إذا ذكــر الرجل هلك الناس فهو أهلكهم ).

وأَلْمَحَ الشيخ الشريم إلى أن الهلع لـــه مـــصدر وناقل ومتلق يمثلون بمجموعهم الأثافي الثلاث لقدر النكسة الرياضية النفسية والإحباط العملي وغياب الوعي الفرد والمجتمع فمصدره الهلع ولا تحمل قلوبهم آيا مـــن معاني السكينة والجد الفأل وحب الاستقرار لبثهم الهلع فـــي نفوس العامة أكثر مـــن خصومهم وأعدائهم فكم تسبب بّثهم الهلع فـــي الهزائم وكم أحبط مـــن الهمم وكم اغتال مـــن الآمال ، وأمثال هؤلاء لا يحمون وطناً ولا ينشدون مصلحةً ولا يرفعون مضرةً بعد وقوعها فضلا عن أن يدفعوها قبل أن تقع بل إنهم يختصرون طريق العدو ويتطوعون عنه بمعاول الهدم النفسي وأما ناقلوه فهم دهماء الناس الذين هم كالأقماع لا تدري ما يصب فيها لبن هو أم خمر أحلو هو أو مر فإنما هم سماعون حمالون مروجون وأما المتلقي فهم ضحايا ما مضى اذ هم اسارى لمروجي الشائعات وحمالي القيل والقال يحسبون كل صيحة عليهم فيستمنون ذا الورم ويظنون كل سوداء فحما يفرقون مـــن الهمس ويجزعون مـــن اللمس ليس لديهم مـــن الوعي والتمحيص وقراءة ما أوضح السطور والعصف الذهني والتصفية ما يميزون به أوضح المصلح والمفسد ولا أوضح الصدق والكذب ولا أوضح التهويل والتهوين ولا أوضح الواقع والوهم وإن التثبيت فـــي الشائعات ليس كالتسليم فـــي تلقيها وهذا شر ما فـــي الإنسان.
وبين فضيلة إمام المسجد الحرام أن الهلع هلعان أحدهما هلع أمام وهم والآخر هلع أمام حقيقة فالهلع الذي أمام الوهم مـــن شأنه أن يؤصل فـــي النفوس فصل الأمور عن عللها وبناء المواقف سلبا وإيجابا لا على مالا حقيقة وراءه إذ حجبت فيه سحب الأوهام شمس الحقيقة فيغطي العزوف عن بذل ما يمكن معه اكتشافه وأهمية هذا الخوف والهلع واستفزاز الشيطان وإجلابه عليها بخيلة ورجله علي الجانب الأخر تكشف بناء على ذلك مواقف لا علاقة لها بذلكم الهلع الوهمي ولا هي مـــن بابته فينشئ الغلط مـــن الغلط .

وذكـر : إن الهلع أمام الحقيقة إذا لم يلجم بلجام الحكمة والأناة فإن مـــن شأنه أن يولد إحباطا نفسياً وشعوراً مبكرا بالهزيمة ومن ثم يضفي القناعة باستحالة جدوى المدافعة والمزاحمة للتغلب على هذا الهلع الطارئ وكما أن للهلع حقيقة ووهما فكذلك ثمة هلع منطقي وهلع مبالغ فيه وبما أننا نعيش زمن انتشار الوسائل المعرفية والتقنية التي لم تكن مـــن قبل فإن الهلع قد أصبح صناعة يمتهن ترويجها المرجفون الذين يريدون تقويض الاستقرار الفردي والأسري والمجتمعي وهذا الصنيع قرنه الله بصنفين مـــن الناس هم المنافقون والذين فـــي قلوبهم مرض.

ودعا فضيلته إلى العمل والاستبشار والتفاؤل ، وإن المرء إذا جار على نفسه وأصرف فـــي خوفه والهلع أتاح لأنفاسه حسرة تجلجل فـــي قلبه وانخلع.

المصدر : تواصل