قصة استشاري بلا دكتوراه وصل إلى منصب مهم.. التفاصيل كاملة
قصة استشاري بلا دكتوراه وصل إلى منصب مهم.. التفاصيل كاملة

تواصل- متابعات:

يبدو أن أسطورة “صمام أمان القطاع الصحي” التي تطلق على “الهيئة الريـاض للتخصصات الصحية”، تصدعت أمام عدد مـــن الوثائق الخطيرة، التي تكشف وجود شبهات فساد وحالات تزييف وتحايل محتملة فـــي تصنيف عدد مـــن الأطبـــاء الاستشاريين والأخصائيين والكوادر الطبية الأخرى.

ويرجع الأمر إلى تدخل الواسطة وصلات القرابة مع مسؤولين داخل الهيئة، على ما يبدو، فـــي عدد مـــن الحالات التي تمت مراجعتها، وهو ما يعزز الربط بينها وبين ظاهرة الأخطاء الطبية الفادحة والمريعة التي تسجل مـــن حين إلى آخر.

الوثائق التي نشرتها “عكاظ” تكشف وجود شبهة تجاوزات مثيرة فـــي تصنيف طبيب سَنَة بدرجة «استشاري جراحة وجه وفكين»، رغم أنه يحمل فقط شهادة فـــي طب الأسنان العام مـــن إحدى الجامعات الأمريكية وحصل على شهادات أخرى لا تؤهله للتصنيف المذكور، ولم يتجاوز المتطلبات الأساسية للتقدم بطلب التصنيف على درجة الاستشاري، وهي شهادة البورد الأمريكي فـــي جراحة الوجه والفكين.

اختراق لوائح التخصصات الصحية

كَذَلِكَ عُلِيَ الْجَانِبُ الْأُخَرَ أنه لم يؤدِّ الاختبارات المطلوبة من اجل الحصول على الدرجة الطبية المشترطة، حيث تشترط لوائح الهيئة الريـاض للتخصصات الصحية أن يكون حاصلا على درجة دكتوراه أو ما يعادلها مـــن جامعة أو جهة علمية متخصصة معترف بها، إضافة إلى 3 سنوات خبرة فـــي مجال التخصص.

وتشير التفاصيل إلى حصول الطبيب المذكور سَنَة 1995 على شهادة (D.M.D)، فـــي طب الأسنان مـــن جامعة تمبل الأمريكية، ثم عاد إلى المملكة وتمت معادلة شهادته مهنيا مـــن الهيئة الريـاض للتخصصات الصحية ووزارة التعليم العالي على أنها بكالوريوس فـــي طب الأسنان وتم تصنيفه للعمل كطبيب أسنان سَنَة.

ثم ابتعث إلى الولايات المتحدة مـــن قبل وزارة الدفاع والطيران فـــي الفترة أوضح سَنَة 1998 ويوليو 2003 ،للتخصص فـــي جراحة الوجه والفكين، ولكنه لم يسْتَحْوَذَ على البورد الأمريكي فـــي جراحة الوجه والفكين بعد مضي سنوات الدراسة والتدريب كَذَلِكَ عُلِيَ الْجَانِبُ الْأُخَرَ كـــان مخططا ً ، وحصل عوضاً عنها على شهادة البورد الوطني فـــي تخدير الأسنان (A.B.D.N) بتاريخ 1 يونيو 2003 وهي تعادل الدبلوم فـــي تخدير الأسنان وتعد جزءا مـــن متطلبات الحصول على البورد الأساسي فـــي جراحة الوجه والفكين، ثم حصل على دورة تدريبية أخرى مدتها سنة واحدة فـــي الفترة أوضح 1 يوليو 2003 حتى 30 يونيو 2004 مـــن مستشفى جامعة توماس جيفرسون الأمريكية بمسمى «دراسات متقدمة فـــي جراحة الوجه والفكين»، وهي أيضا لا علاقة لها بالمتطلب الأساسي وهو البورد الخاص بجراحة الوجه والفكين.

وبعد مضي 3 سنوات وتحديداً بتاريخ 25 فبراير 2007، تقدم الطبيب المذكور إلى هيئة التخصصات لطلب تصنيفه كاستشاري جراحة وجه وفكين، فجاءه رد واضح مـــن هيئة التخصصات، بأنه حصل على البورد الوطني فـــي تخدير الأسنان، وطالبته بتوضيح أسباب عدم الحصول على البورد المطلوب، «البورد فـــي جراحة الوجه والفكين».

ورد الطبيب المذكور بخطاب فـــي ذات اليوم مليء بالتناقضات، إذ أَبْلَغَ فيه أن شهادة البورد فـــي التخدير تعادل شهادة بورد فـــي جراحة الوجه والفكين، مدعيا أن التخدير هو جزء مـــن نفس البرنامج التعليمي لتدريب جراحة الوجه والفكين الذي يستغرق 5 سنوات.

وبشأن عدم تجاوزه الاختبار المطلوب، تحجج الطبيب المذكور بـــأن بعثته انتهت وأن الاختبار المطلوب من اجل الحصول على البورد فـــي جراحة الوجه والفكين كـــان سيعقد بعد انتهاء بعثته بـ7 أشهر، وأنه يحتاج أيضا إلى سَنَة آخر لدخول الاختبار الشفوي، أي أنه يحتاج إلى سنتين إضافيتين لإنجاز متطلبات الحصول على البورد، وأنه اضطر إلى العودة بسبب انتهاء مدة بعثته.

وحاول المذكور أن يضع تبريرات غير منطقية فـــي الخطاب، بـــأن مجريات سبتمبر عقدت أمور الطلاب المبتعثين وسببت العديد مـــن المشكلات، وهو ليس مبررا لإعطاء تصنيف لم يتجاوز متطلباته، كَذَلِكَ عُلِيَ الْجَانِبُ الْأُخَرَ أن بعثته انتهت عمليا فـــي يوليو 2003 ولكنه أكمل عاما إضافيا حتى يونيو 2004 من اجل الحصول على شهادة أخرى فـــي دراسات الوجه والفكين، أي أن مجريات 11 سبتمبر لم تكن عائقاً أمام تمديد مدة الدراسة.

ثم بتاريخ 15 أبريل 2007 أرسل الطبيب المعني خطابا لهيئة التخصصات الصحية، يوضح فيه أنه حصلت مفاهمة هاتفية مع قَائِد فـــي الهيئة والوصول إلى حل توافقي بتصنيفه استشاريا فـــي «تخدير» جراحة الوجه والفكين، وأنه وافق على هذا التصنيف وفقاً لما هو موضح فـــي مرفق.

تزوير فـــي أوراق رسمية

شبهة التجاوز الأول الذي حَدَثَ فـــي هذه القضية، هو استخراج الطبيب المذكور بطاقة تسديد مهني مـــن الهيئة الريـاض للتخصصات الطبية، وتم تعريفه فـــي البطاقة على أنه «استشاري جراحة وجه وفكين»، أي استبعدت كلمة «تخدير» مـــن بطاقة التعريف المهني، وهو ما يثير الشكوك حول شبهة تزوير فـــي أوراق رسمية، وبهذه البطاقة استطاع أن يعمل فـــي مستشفى خاص ومستشفى حكومي تحت سِمَة «استشاري جراحة وجه وفكين»، رغم أنه يدرك أن هيئة التخصصات الصحية صنفته فـــي تخصص «تخدير جراحة الوجه والفكين».

وفي 14 فبراير 2012، حصل الطبيب المذكور على خطاب تزكية مـــن رئيس أقسام الجراحة فـــي مستشفى حكومي داخل مدينة جدة بالأراضي الريـاض عمل فيه، علما بـــأن الخطاب ذُيِّل بختم دون أي توقيع، يفيد بـــأن الطبيب المذكور عمل تحت تصنيف استشاري جراحة وجه وفكين فـــي ذلك المستشفى منذ 1 يوليو 2008، بالرغم مـــن أنه لا يحمل الشهادات المطلوبة لهذه الممارسة ولم يتم تصنيفه رسميا فـــي هذا التخصص مـــن قبل الهيئة الريـاض التخصصات الصحية، والمثير فـــي الأمر هو أن الخطاب تضمن توصية موجهة إلى هيئة التخصصات الريـاض بتصنيف المذكور على مرتبة استشاري جراحة وجه وفكين، أي أن المستشفى الذي عمل فيه 4 سنوات حتى موعد كتابة خطاب التزكية كـــان على علم بـــأن الطبيب المذكور ليس استشاريا ولا يحمل وثائق تثبت تخصصه ومع ذلك تم توظيفه فـــي مهنة استشاري جراحة وجه وفكين.

والجدير بالذكر، أن الطبيب المذكور يتقلد في الوقت الحاليً منصباً قيادياً فـــي الهيئة الريـاض للتخصصات الصحية.

رأي الأطبـــاء

عدد مـــن أطباء استشاريين مـــن بينهم أساتذة أكاديميون فـــي عدد مـــن الجامعات الريـاض وفي ذات التخصص، راجعوا الشهادات ووثائق القضية المطروحة لإبداء الرأي فيها بشكل مستقل، مع التأكيد على أن تخصصات هؤلاء الأطبـــاء ذات علاقة بالتخصص الطبي ومجال دراسة الطبيب المعني فـــي هذه القضية، وهي تخصصات طب الأسنان وجراحة الأسنان وجراحة الوجه والفكين.

وفي هذا الصدد، أوضح استشاري أسنان وأكاديمي أن الشهادات التي حصل عليها الطبيب المذكور تمنحه عمليا درجة “طبيب أسنان سَنَة”، أما بالنسبة للشهادات التالية التي حصل عليها وهي البورد الوطني لتخدير الأسنان فهي شهادة تكميلية كجزء داعم وتكميلي فـــي برنامج البورد الخاص بجراحة الوجه والفكين، وذلك وفقا للجمعية الأمريكية لجراحة الوجه والفكين (AAOMS).

أما بالنسبة لشهادة الدراسات المتقدمة فـــي جراحة الوجه والفكين فهي مدتها سنة واحدة بينما برنامج الحصول على البورد الأمريكي فـــي جراحة الوجه والفكين يستغرق 5 سنوات، ويتضمن شرط اجتياز الاختبار الإكلينيكي والشفوي، ثم بعد ذلك يجب أن يكمل الطبيب 3 سنوات تمريـن فـــي  أحد المستشفيات حتى يتقدم على طلب تصنيفه استشاريا، وهذه المتطلبات لم تستكمل فـــي الحالة التي أمامنا وفقاً للوثائق والشهادات وإفادة الطبيب نفسه.

تخصصان مختلفان
وفي سياق متصل، أكد استشاري جراحة أسنان، أن الطبيب المعني فـــي ملف هذه القضية مـــن الواضح أنه لم يكمل متطلبات البرنامج وهو الحصول على شهادة البورد المعتمد فـــي التخصص وهي تعادل درجة الدكتوراه أو الزمالة فـــي التخصص، مضيفا أن هيئة التخصصات الصحية كانت تدرك ذلك مـــن خلال المخاطبات التي يتضح منها أنها طلبت مـــن الطبيب إفادة عن سبب عدم حصوله على شهادة البورد المعتمدة فـــي تخصص جراحة الوجه والفكين، وفي غضون ذلك فقد كانت مبررات الطبيب فـــي رده على الهيئة غير مقنعة.

ومن جهتهم، ذكــر استشاريون وأساتذة أكاديميون فـــي تخصص جراحة الوجه والفكين إن الهيئة الريـاض للتخصصات الصحية ارتكبت خطأ فـــي الخلط أوضح تخصصين (جراحة الوجه والفكين وتخصص التخدير)، فهما تخصصان مختلفان، وطبيب التخدير لا يصنف جراح وجه وفكين، كَذَلِكَ عُلِيَ الْجَانِبُ الْأُخَرَ أن الشهادات التي حصل عليها الطبيب لا تؤهله للعمل فـــي مرتبة استشاري فـــي أي مـــن التخصصين سواء فـــي التخدير أو جراحة الوجه والفكين، وأن فترة تمريـن التخدير هي جزء مـــن المرحلة التدريبية فـــي تخصص جراحة الوجه والفكين وليست تخصص مستقل بذاته.

فـــي حين، أكدت طبيبة استشارية متخصصة فـــي جراحة الوجه والفكين، تعرفها على الطبيب المذكور، وأنها تلقت وتعاملت مع عدد مـــن الحالات التي حدثت لها مضاعفات نتيجة لمعالجة خاطئة مـــن الطبيب المذكور.

إداري يعمل أخصائي تغذية
وفي قضية ذات سياق متصل، وضمن سلسلة مـــن تجاوزات محتملة تحوم حولها شبهات فساد، منحت الهيئة الريـاض للتخصصات الصحية درجة «أخصائي تغذية» لمسؤول إداري يعمل مديرا لأحد المستشفيات الحكومية ويحمل شهادة بكالوريوس مـــن كلية الزراعة تخصص «إنتاج حيواني وصناعات غذائية».

 وتم منحه رتبة «أخصائي تغذية» بموجب خطابات تزكية مـــن المستشفى الذي يديره هذا المسؤول، وأوصت هذه الخطابات هيئة التخصصات بتصنيفه على الدرجة المذكورة، دون أن تكون لـــه علاقة بمجال التغذية الطبية سواء مـــن حيث التخصص أو الممارسة العملية.

وبالرغم مـــن أن لا علاقة أوضح تخصص التغذية الطبية للمرضى بتخصص الإنتاج الحيواني، وافقت هيئة التخصصات الصحية على تصنيفه «أخصائي تغذية»، وتم إدراجه بالفعل ضمن الكادر الطبي، وهو ما تترتب عليه مجموعة مـــن المزايا المادية تتمثل فـــي عدة بدلات مثل بدل فني وندرة تمريـن وتدريس وغيرها، وهي على الأرجح الدافع الأساسي الذي يبحث عنه من اجل الحصول على هذا التصنيف الذي لا يتوافق منطقياً لا مع المؤهلات ولا الوظائف الإدارية التي تقلدها المذكور.

وأكدت مصادر موثوق بها وجود 6 حالات أخرى لأطباء حصلوا على درجة استشاري وأخصائي أول، وتشير المعلومات والوثائق إلى أنهم لا يحملون الدرجة العلمية المطلوبة أو ما يعادلها مـــن شهادات صادرة مـــن جامعات أو جهات علمية متخصصة معترف بها، وذلك حسب متطلبات هيئة التخصصات الصحية.

«التخصصات الصحية»: لا تعليق ونلتزم الصمت

بطرح القضية مدعمة بالوثائق على المتحدث باسم الهيئة الريـاض للتخصصات الصحية عبدالله الزهيان، تم الاتفاق على إعطاء الهيئة مهلة 10 أيام للرد على ما جاء فـــي هذا الملف مـــن شبهات.

وفي الثالث مـــن يناير الماضي، أكد المتحدث من خلال اتصال هاتفي مع «عكاظ» أن الهيئة قامت بمراجعة الملف المذكور، وأن الرد الرسمي مـــن قِبَل المسؤولين فـــي الهيئة هو عدم التعليق على هذه القضايا والتزام الصمت، ولم يقدم المتحدث أي توضيح أو مبررات إضافية.

المصدر : تواصل