لماذا الكون ثلاثي الأبعاد؟
لماذا الكون ثلاثي الأبعاد؟

عند رؤيتك لكومة عشوائية مـــن الحبال أو الأسلاك المعقودة، تأمل الميل الطبيعي للتشابك للأشياء مـــن حولنا، والذي سيساعد على تفسير الطبيعة الثلاثية الأبعاد للكون مـــن حولنا وأيضًا تفسير كيفية تشكلها.

طور فريق دولي مـــن الفيزيائيين نظرية جديدة كليًا والتي تقترح أنه بعد مدة وجيزة مـــن ظهور الكون ،تحديدًا قبل 13.8 مليار سنة، فإن الكون كـــان مليئًا بعقد مـــن خيوط الطاقة المرنة والتي يُطلق عليها (أنابيب التدفق) وهي مسؤولة عن ربط الجسيمات الأولية مع بعضها البعض.

تقدم هذه الفكرة تفسيرًا دقيقًا حول سبب وجودنا فـــي كون ثلاثي الأبعاد، وقد وصف كاتبو هذا المقال هذه الفكرة فـــي الورقة البحثية التي نشرت فـــي مجلة فيزيكال الأوروبية وعنوانها: (التضخم المعقد وأبعاد الزمكان).

لقد بدأت الورقة البحثية بما يلي: (على الرغم مـــن أن السؤال المتعلق بسبب وجود ثلاثة أبعاد مكانية (كبيرة) للكون هو واحد مـــن أكثر الألغاز الكونية عمقًا، فإننا كنا فـــي الواقع نتناولها فقط ضمن الأدب (العلمي).

مـــن أجل الوصول إلى حل جديد لهذا اللغز، فإن أساتذة الفيزياء والذي قد تشاركوا فـــي تأليف هذه الورقة البحثية وهم (أرجون بيريرا – Arjun Berera) فـــي جامعة أدنبرة، و(روماني بوني – Roman Buniy) فـــي جامعة تشابمان، و(هاينريش باس – Heinrich Päs) وهو مؤلف (الموجة المثالية: النيوترينوهات على حدود الفضاء والوقت) فـــي جامعة دورتموند، و(جوا روزا – João Rosa) فـــي جامعة أفييرو، و(توماس كيفارت – Thomas Kephart) فـــي جامعة فاندربيلت.

هؤلاء العلماء كانوا قد أخذوا عنصر شائع مـــن النموذج القياسي لفيزياء الجسيمات ودمجوه بنظرية العقد لينتجوا بذلك سيناريو لن يشرح هيمنة الأبعاد الثلاثية فحسب، بل سيوفر مـــصدر الطاقة الطبيعية اللازمة لتسارع عملية تضخم الكون والتي يعتقد معظم علماء الكونيات بـــأن الكون مر مـــن خلالها بعد ميكروثانية مـــن حدوث الانـــفجار الأعظم.

إن العنصر الشائع الذي افترضه الفيزيائيون هو أنبوب التدفق المكون مـــن الكواركات؛ وهي الجسيمات الأولية التي تشكل البروتونات والنترونات. وتُجمع هذه الكواركات مع بعضها البعض عن طريق جسيمات أولية أخرى تُدعى (الغلوون).

تربط جسيمات الغلوون كوارك الموجب بكوارك مضاد سالب من خلال خيوط مرنة مـــن الطاقة تدعى بأنبوب التدفق، وتُسحب الجسيمات المرتبطة بعيدًا حيث يكتسب أنبوب التدفق طولًا إضافيًا حتى يصل إلى عتبة ينقطع فيها.

وحالما يصل أنبوب التدفق إلى هذه العتبة فإنه يحرر طاقة كافية لتشكيل زوج ثاني مـــن مضاد الكوارك والتي تنفصل عن بعضها البعض لترتبط مع جسيمات أولية حقيقية منتجة زوجين مـــن الأجسام المترابطة (تشبه هذه العملية قطع شريط مغناطيسي مـــن المنتصف منتجة شريطين مغناطيسيين طولهما أصغر، ولكلا الشريطين قطبين مغناطيسيين شمالي وجنوبي).

ويقول كيفارت؛ أستاذ الفيزياء فـــي فاندربيلت: (لقد أخذنا ظاهرة معروفة لأنبوب التدفق ورفعناها إلى مستويات الطاقة الأعلى).

لقد عمل الفيزيائيون على تفاصيل نظريتهم الجديدة منذ سَنَة 2012 وذلك عندما حضروا ورشة عمل نظمها كيفارت فـــي معهد إسحاق نيوتن بجامعة كامبيردج. إن كلًا مـــن (بوني وباس) كانا يعرفان (كيفارت) لأنهما كانا موظفين فـــي مرحلة ما بعد الدكتوراة بجامعة فاندربيلت قبل أن يثبت تعيينهما فـــي هيئة التدريس، وأثناء المناقشات التي دارت فـــي ورشة العمل سحرت فكرة احتمال لعب أنابيب التدفق دورًا أساسيًا فـــي التشكل الأولي للكون الفريق.

ووفقا للنظريات الحالية، فإن الكون عند إنشائه كـــان مغمورًا بحساء أولي عالي الحرارة يدعي ببلازما كوارك- غلوون، والتي تألفت مـــن مزيج مـــن الكوارك والغلوون.

(فـــي سَنَة 2005 أُعيد تشكيل بلازما كوارك-غلوون فـــي مسرع الجسيمات ضمن مصادم الأيونات الثقيلة بالسرعات النسبية بمختبر بروكهافن الوطني، وذلك عن طريق فريق دولي مـــن الفيزيائيين تضمن ثلاثة مـــن جامعة فاندربيلت وهم: ستيفنسون تشير – Stevenson Chair وأساتذة الفيزياء تشارلز ماجوير- Charles Maguire وجوليا فيلكوفسكا – Julia Velkovska).

أدرك كيفارت ومعاونيه أن سيناريو الطاقة العالية مـــن بلازما كوارك-غلوون كـــان يمثل بيئة مثالية لتشكيل أنبوب التدفق فـــي الكون المبكر جدًا حيث أن الأعداد الضخمة مـــن أزواج الكوارك ومضاد الكوارك والتي كانت تتشكل وتتدمر قد شكلت أعداد هائلة مـــن أنابيب التدفق.

عادةً يختفي أنبوب التدفق والذي يربط أوضح الكوارك ومضاد الكوارك عندما يقوم جسمين بالتلامس ومن ثم يتدمرا ذاتيًا ولكن هناك استثناءات.

على سبيل المثال، فـــي حال أخذ أنبوب التدفق شكل عقدة فإنه يصبح مستقرًا ويستطيع تخطي سيناريو تدمير الجسيمات التي أنشأته، وفي حال أثر أحد الجسيمات على مسار تشكل العقدة العلوية فإن أنبوب التدفق سيتشكل على صورة عقدة تريفويل، ونتيجة لذلك فإن الأنبوب المعقود سَيُظِلُّ فـــي الوجود حتى لو تدمرت الجسيمات التي يربطها مع بعضها البعض.

إن الأنابيب المستقرة سوف تنشأ أيضًا عندما يرتبط أنبوبان أو أكثر مـــن أنابيب التدفق مع بعضهم البعض، و أبسط مثال هو رابط هوب الذي يتكون مـــن دائرتين مترابطتين.

وبهذه الطريقة فإن داخل الكون كـــان قد امتلأ مـــن شبكة رفيعة مـــن أنابيب التدفق وذلك كَذَلِكَ عُلِيَ الْجَانِبُ الْأُخَرَ تصور المؤلفون. وعندما كانوا يحسبون مقدار الطاقة المحتملة التي كانت تحتويها هذه الشبكة فإن نتيجة هذه الحسابات كانت مفاجأة سارة لهم حيث إِتِّضَح أن تلك الطاقة كانت كافية للبدء بالمراحل الأولى للتضخم الكوني.

منذ أن بدأت فكرة التضخم الكوني بالظهور فـــي أواخر الثمانينات مـــن القرن الماضي، فإن علماء الكون سلموا بشكل سَنَة بافتراض يدور حول أن الكون المبكر قد مر بمرحلة تضخم مـــن حجم البروتون إلى حجم الليمون فـــي أقل مـــن جزء مـــن تريليون مـــن الثانية .

إن هذه المرحلة مـــن التضخم المفرط تحل مشكلتين مـــن المشاكل الهامة فـــي علم الكون حيث يمكن أن تفسر نتائج عمليات الرصد والتي تدل على أن الكون بشكل سَنَة هو أكثر تناسق واستواءً مما توقعه الفلكيون أن يكون، وعلى الرغم مـــن هذه المزايا فقد أعيق قبول النظرية بسبب عدم تحديد مـــصدر مناسب لطاقة هذا التضخم المفرط.

ويقول كيفارت: (لا توفر شبكة أنابيب التدفق لنا الطاقة اللازمة للدفع بعملية التضخم فحسب، بل تخبرنا لماذا توقفت فجأة هذه العملية( ويكمل كيفارت قوله: (مع بدء عملية تضخم الكون، فإن شبكة أنابيب التدفق بدأت بالتفسخ وتحطمت بنهاية المطاف قاضية بذلك على مـــصدر طاقة التضخم).

وعندما تحطمت شبكة أنابيب التدفق، فإنها ملأت الكون بالإشعاع وبغاز مكون مـــن الجسيمات دون الذرية مما سمح لتطور الكون من خلال أستمرار من خلال مسارات محددة.

إن السمة الأكثر تميزًا لهذه النظرية هي أنها تقدم تفسيرًا طبيعيًا لعالم ثلاثي الأبعاد، وهناك العديد مـــن نظريات الأبعاد الكثيرة، مثل: نظرية الأوتار والتي تتصور بـــأن الكون ذو تسعة أو عشرة أبعاد مكانية حيث يشير مؤيدو هذه النظرية أن هذه الأبعاد الكثير مختفية عن الرؤية بشكل أو بآخر.

إن تفسير نظرية أنبوب التدفق يأتي مـــن نظرية العقدة الأساسية حيث يقول كيفارت: (كـــان هاينريش باس – Heinrich Päs يعلم أن العقدة مكونة مـــن ثلاثة أبعاد فقط، وأراد استخدام هذه الحقيقة لكي يشرح لماذا نعيش فـــي كون ثلاثي الأبعاد).

وهناك مثال ثنائي الأبعاد سيساعدنا على الشرح: لنفترض أنك وضعت نقطة بمركز دائرة مرسومة على ورقة، فإنه حتمًا لا توجد وسيلة ضمن البعدين المكانيين للدائرة لكي تتحرر مـــن هذه النقطة طالما بقيت الدائرة على الورقة المرسومة عليها،

ولكن إذا قمنا بإضافة بعد ثالث للدائرة فإنه يمكننا رفع الدائرة فوق النقطة ونقلها إلى موضع آخر ومن ثم تنزل إلى الأسفل مرة ثانية.

يحدث شيء مماثل للعقدة ثلاثية الأبعاد فـــي حال إضافة بعد رابع- حيث بدأ علماء الرياضيات بتحليل هذا اللغز، ويقول كيفارت: (لهذا السبب فإنه لا يمكن للعقد أو الأنابيب المترابطة أن تتشكل فـــي مساحات ذات أبعاد كثيرة).

إن النتيجة النهائية تقول بـــأن التضخم سيقتصر على ثلاة أبعاد، أما الأبعاد الإضافية (إن وجدت) فإنها سوف تبقى صغيرة جدًا. والخطوة التالية للفيزيائيين ستتمثل فـــي تطوير نظريتهم لكي تقدم تنبؤات يمكن التحقق منها حول طبيعة الكون.

وقد دعمت منحة (DE-SC0010504) فـــي وزارة الطاقة الأمريكية، ومؤسسة ألكسندر فون همبولدت، والمفوضية الأوروبية، والمؤسسة البرتغالية للعلوم والتكنولوجيا هذا البحث.


ترجمة: عامرالسبيعي
تدقيق: منة الله عيد
تحرير: رؤى درخباني
المصدر

المصدر : انا اصدق العلم