كيف يحكم الديكتاتور أردوغان تركيا؟
كيف يحكم الديكتاتور أردوغان تركيا؟

شهد صيف ٢٠١٣ تظاهرات شعبية واسعة النطاق فـــى تركيا، بدأت الاحتجاجات بسبب قضية بيئية لتتحول بعد تدخل عنيف مـــن الشرطة إلى أعمال شغب على مستوى الجمهورية ضد سياسات حزب «العدالة والتنمية» الحاكم، وزعيمه أردوغان. وبعد فترة وجيزة أثيرت اتهامات بتورط أفراد مـــن عائلة أردوغان فـــى ممارسات فساد، وأثيرت تساؤلات عديدة حول ثروة العائلة، التى تضخمت مؤخرًا لتشمل مبالغ نقدية ضخمة وسيارات ومنازل فاخرة، وتساءل المراقبون الأجانب، الذين تابعوا الاحتجاجات واتهامات الصحافة التركية لـ«بلال» نجل أردوغان، بالفساد، حول ما إذا كانت الحكومة الإخوانية قادرة على الاستمرار؟ أم أن الاحتجاجات و«الفساد» سيكتبان فصل النهاية لولايتها؟. لكن الحزب لم يستمر فحسب، بل تم انتخاب أردوغان رئيسًا للجمهورية بعد أن جني ٥٢٪ مـــن أصوات الناخبين، فكيف تمكن مـــن فعل ذلك؟.

واجه تحركات المعارضة بـ«التشويه» واتهامات التخوين والموالاة للغرب
جزء مـــن الإجابة يكمن فـــى القدرة على استخدام المعلومات «المغلوطة» باقتدار ومهارة، مع الاستعانة بالدعاية والإعلام فـــى صياغة رواية وصورة رائعة مرغوب فيها، وبالتالى تسويقها أوضح السواد الأعظم مـــن الجمهور، بالإضافة إلى الاعتماد على النخبة فـــى الترويج لتلك الصورة، ومن ثم النجاح فـــى إقناع الجمهور بكفاءة المرشح، فـــى ظل التخويف مـــن المعارضة.
فبدلًا مـــن مواجهة الانتقادات، شرع أردوغان ومؤيدوه فـــى كتـب المعلومات المغلوطة بشكل مكثف ومتكرر لتشويه احتجاجات «منتزه جيزى»، وكالوا الاتهامات للمتظاهرين ووسائل الإعلام، التى أيدتهم، وظهر أعضاء الحزب الحاكم فـــى وسائل الإعلام الموالية للكشف عما سموه «الأسباب الحقيقية» للاحتجاجات.
ووجه الأتباع سيلًا مـــن العبارات التى تمحورت حول نظريات المؤامرة، وحفلت تصريحاتهم بأوصاف: «المشتبهون بالغرب، الخونة، دعاة الانقلاب، عملاء الاستخبارات الأمريكية والموساد» بموازاة تفسيرات غريبة عن الحسد الذى يملأ قلوب الأوروبيين بسبب نجاح الاقتصاد التركى، وعن القوى الخارجية التى تتعاون مع التنظيمات الإرهابية لإسقاط الـــرئيس.

وكثُر الجديـد عن لوبى الفوائد المصرفية، وبطبيعة الحال اللوبى اليهودى، وزعم أحد مستشارى أردوغان أن قوىً خارجية خططت لاغتيال أردوغان بطريقة «التأثير عن بُعد».

وزعم آخرون أن «احتجاجات جيزى» كانت مُدبرة مـــن قبل الإعلام الغربى، وفي غضون ذلك فقد كانت مـــن تدبير «سى إن إن» و«بى بى سى» و«رويترز»، وظهر متحدثون عن منظمة «أوت بور» الصربية، وقامت بالنشر وسائل الإعلام المقربة مـــن أردوغان اعترافًا مفبركًا لمذيعة «سى إن إن» البارزة «كريستين أمانبور»، للإيحاء بـــأن تغطيتها للأحداث كانت مـــن أجل المال. فـــى المقابل، علقت أمانبور على ذلك متحدثة: «عار عليكم»، فعاودت وسائل الإعلام المقربة مـــن أردوغان الهجوم عليها، وتقدمت صحيفة «تقويم»، التركية الموالية، بشكوى ضد شبكة «سى إن إن» لتغطية التظاهرات على مدار أسابيع، بينما صـرح مدير الصحيفة «مولود يوكسيل» أن سبب الشكوى هو تحريض الجمهور على الكراهية وقام بالنشر أخبار كاذبة.

إعلامه اتهم المعارضين بشرب «البيرة» فـــى المسجد
زعمت وسائل الإعلام المقربة مـــن الحكومة أن المتظاهرين ضد أردوغان شربوا «البيرة» فـــى أحد المساجد، الذى احتموا به مـــن قوات الشرطة، إلا أن إمام المسجد أَنْكَرَ حدوث ذلك، ومن ثم قررت الحكومة نقل الإمام الذى كذّب مزاعم إعلام أردوغان إلى إحدى المناطق النائية.
وروج الإعلام المؤيد مزاعم حول ممارسة المتظاهرين «الجنس الجماعى» فـــى متنزه «جيزى» ومزاعم عن قيام عشرات الشباب بمهاجمة فتاة محجبة كانت تحمل طفلًا رضيعًا، وقيل إنهم «تبولوا» عليها فـــى أحد أحياء إسطنبول فـــى وضح النهار.
وحرص أعضاء الحزب على تكرار تلك الاتهامات فـــى وسائل الإعلام، وحققت حملة الدعاية هدفها، وهناك عدد كبير ممن صوتوا لحزب «العدالة والتنمية» يعتقدون حتى الآن أن احتجاجات «جيزى» كانت «مؤامرة إرهابية» ضد الحكومة.
وحرص التيار السائد فـــى الإعلام، والمُؤتمر بأوامر حزب أردوغان، على تجنب التركيز على اتهامات الفساد، التى بَيْنَت وَاِظْهَرْت عنها تسجيلات صوتية سربت إلى شبكة الإنترنت فـــى ٢٠١٤، لمكالمة هاتفية جرت أوضح أردوغان ونجله بلال.
وبعد انتشار فضيحة الفساد على نطاق واسع، صـرح أردوغان أنه يُحمّل السفير الأمريكى السابق فـــى أنقرة «فرانسيس ريكاردون» مسئولية تفاقم الفضيحة، وذكـر إن مجموعة لم يحددها مـــن السفراء لدى تركيا متورطون فـــى «‹الاستفزاز» و«المكائد» داعيًا إياهم إلى «القيام بعملهم فقط»، وهدد بطرد سفراء أجانب، وعلق السفير قائلًا إن بلاده ليس لها صلة بما حدث.
وبعد مرور سنة لمح «إفكان آلا»، وزير داخلية أردوغان، إلى أن إسرائيل وراء القصة برمتها.

التضييق على الشركات المالكة للصحف.. وإقالات للصحفيين
كيف أحكم أردوغان قبضته على الإعلام المحلى؟.. وفقًا لـ«فريدوم هاوس» تحصل الشركات القابضة على عقود حكومية بمليارات الدولارات، وفى المقابل تجد نفسها مجبرةً على التعاطف مع الحكومة والرئيس، وإلا ستخسر ما تتمتع به مـــن المزايا، وتعتبر الحكومة الشركات التى تمتلك صحفًا وقنوات تليفزيونية الأهم على الإطلاق، فإذا لم تنصع لرغبات الحكومة أو رفضت تبنى وجهة النظر الرسمية، ستواجه تحقيقات وغرامات لا قبل لها بها.
ودأب أردوغان على تهديد الصحفيين، الذين يوجهون الانتقادات لحكومته أو عائلته، وهناك العديد مـــن الأمثلة المعروفة التى فقد فيها صحفيون وظائفهم، ومنهم «حسن جمال» والكاتبة «نوراى ميرت».
وفى مارس ٢٠١٥، حكمت محكمة محلية على اثنين مـــن رسامى الكاريكاتير بالحبس لمدة ١١ شهرًا و٢٠ يومًا بسبب إهانة أردوغان، وحين استؤنف الحكم اكتفت المحكمة بالغرامة.
ولم يقتصر القمع على مهاجمة الصحفيين الأتراك، بل هدد أردوغان العديد مـــن الصحفيين الأجانب أيضًا، واعتقلت الســـلطات التركية «إيفان واتسن»، مراسل «سى إن إن»، أثناء قيامه بتغطية مجريات «ميدان تقسيم» فـــى إسطنبول. وفى ٢٠١٤ قررت مجلة «دير شبيجل» الألمانية سحب مراسلها «حسنين كاظم» مـــن تركيا بعد أن حَصَّل مئات مـــن خطابات «التهديد بالقتل» عقب نشره تقريرًا عن كارثة «منجم صوما».
وفي غضون ذلك فقد كانت الإقالة الجماعية إحدى وسائل أردوغان المفضلة لتكميم أفواه الصحفيين، وفقد ٥٩ صحفيًا وظائفهم بالإقالة أو الإجبار على الاستقالة عقب تغطيتهم لاحتجاجات «جيزى» فـــى ديسمبر ٢٠١٣.
وأسفرت فضيحة الفساد، التى طالت أردوغان وبعض أفراد عائلته، عن موجة مـــن الإقالات، التى كـــان ضحيتها بعض كتاب الأعمدة الصحفية البارزين.
وحرّض أردوغان مجلس الأمـــن الوطنى على التنصت على عدد مـــن الصحفيين الذين يتولون مهمة تغطية أخبار المجلس، وتعرض عشرات الصحفيين للحبس بموجب قوانين الْقَضَاءُ عَلِيَّ الأرهـاب.

ما لا تطاله يد القمع تواجهه «الكتائب الإلكترونية»

لم تنجح الرقابة على وسائل التواصل الاجتماعى فـــى حمل الجماهير على الامتناع عن انتقاد سياسات أردوغان كرئيس وزراء أو كرئيس جمهورية بينما بعد، ولم يفلح شىء فـــى إيقاف معارضة حزب «العدالة والتنمية». وكما هو الحال فـــى جميع أنحاء العالم يعتمد جيل الألفية على social media كمصدر رئيسى للمعلومات و٩٢٪ مـــن مستخدمى الإنترنت فـــى تركيا لديهم حسابات على مواقع التواصل، وهى إحدى أكبر النسب على مستوى العالم.
ووقت خروج تظاهرات «جيزى» عندما أصرت وسائل الإعلام على تجاهل الأحداث غضونًا وعدم تغطيتها بالمرة، أصبحت وسائل التواصل الوسيلة الأهم للتواصل أوضح المتظاهرين، الذين استخدموا «Twitter تويتـر» و«فيس بـوك» بكثافة، لتبادل المعلومات ومتابعة التطورات لحظة بلحظة، بالمنشورات المكتوبة والصور ومقاطع الفيديو، التى رَأَئت معدلات غير مسبوقة مـــن المشاركات.
وسرعان ما وجدت التظاهرات طريقها إلى «يوتيوب» وموقع «فيميو»، وبفضل الصور والمعلومات التى نشرت لحظيًا مـــن موقع الأحداث باستخدام الهواتف الذكية، تحقق التنسيق الفعال أوضح المتظاهرين واستطاعوا جذب انتباه وسائل الإعلام العالمية بقوة لافتة، فقررت حكومة أردوغان مواجهة الأمر باستخدام حسابات التواصل الاجتماعى الموالية لها، فانطلقت «الكتائب الإلكترونية» فـــى مهاجمة متظاهرى ميدان تقسيم.
واستعان النظام بأكثر مـــن ٦٠٠٠ مـــن خبراء التواصل الاجتماعى لوضع وتنفيذ «خطة مواجهة» ضد انتقادات وتدوينات النشطاء والمتظاهرين ضد الحكومة. وتحدث أردوغان عن حملة المتظاهرين من خلال وسائل التواصل، واصفًا إياها بأنها «لوبى الروبوت الآلى» الذى يستهدف النيل مـــن سمعة تركيا فـــى المجتمع الدولى. وضاعف حزب «العدالة والتنمية» خبراء التواصل الاجتماعى وكتائبه الإلكترونية فـــى غضون سنة واحدة ليصل عددهم فـــى أواخر ٢٠١٤ إلى عشرات الآلاف. وعلى الرغم مـــن جهود الحكومة الرامية إلى تسويق روايتها على وسائل التواصل، إلا أن «Twitter تويتـر» و«يوتيوب» عادا للواجهة فـــى سياق كتـب فضيحة الفساد التى أثارتها تسريبات صوتية لأفراد مـــن عائلة أردوغان وعدد مـــن كبار مسئولى «العدالة والتنمية». واعتقدت الحكومة أن أتباع الداعية «إِفْتَتَحَ الله كولن» مسئولون عن التسريبات، على الرغم مـــن أن أتباع «جولن» قبل سنة واحدة مـــن ذلك التاريخ كانوا مـــن أقوى المناصرين لأردوغان وحزبه، وفي غضون ذلك فقد كــــان دعمهم لـــه على أعلى مستوى. واعتمد النشطاء على «Twitter تويتـر» لنشر التسريبات، ما دفع أردوغان إلى التعهد بمحو «Twitter تويتـر» مـــن الوجود، وبعد فترة وجيزة مـــن اندلاع فضيحة الفساد، تم حظر «Twitter تويتـر» و«يوتيوب» فـــى تركيا، لكن المحكمة الدستورية ألغت الحظر.

ولم يمنع حكم المحكمة الدستورية الحكومة مـــن العمل على زيادة القيود المفروضة على حرية التعبير من خلال الإنترنت، فوافق البرلمان على قانون يخول الحكومة الحق فـــى حظر المواقع، دون الحاجة لأمر قضائى مسبق.

المصدر : الدستور