التوانسة شعروا بخيبة أمل بعد ثورة 2011
التوانسة شعروا بخيبة أمل بعد ثورة 2011

رصدت وكالة رويترز، فـــى تقرير لها ،الأحداث النهائية فـــى تونس  وعلى الأخص فـــي مدينة سيدي بوزيد التونسية الفقيرة  حيث يقف خريجو جامعات أمام مكتب حكومي ويرددون هتافات ويرفعون لافتات تحمل رسالة للمسؤولين مفادها: وفروا لنا فرص عمل تجنبا للمشاكل.

والمشهد جزء مـــن احتجاجات مناهضة للحكومة انتشرت فـــي مختلف أرجاء تونس خلال الأيام القليلة السَّابِقَةُ.

وأثارت الاضطرابات أزمة سياسية جديدة فـــي دولة تعاني بالفعل تحت وطأة إجراءات تقشف يطالب بها مقرضون أجانب.

كانت نفس المدينة قد رَأَئت قبل سبع سنوات اندلاع احتجاجات حاشدة سرعان ما اجتاحت بقية أنحاء البلاد وأطاحت بالرئيس زين العابدين بن علي فـــي أولى انتفاضات الربيع العربي.

والآن يعود الشبان والشابات الذين قادوا الاحتجاجات فـــي سيدي بوزيد إلى شوارع المدينة المتربة المتداعية يشكون مـــن أنهم لم يجنوا الثمار التي بشرتهم بها ثورة 2011.

وينظر إلى تونس على أنها قصة النجاح الديمقراطية الوحيدة فـــي انتفاضات الربيع العربي إذ تضم حكومة الوحدة الحالية علمانيين ينتمون إلى تيار الوسط وإسلاميين معتدلين ومستقلين، لكن على أرض الواقع يعيش أغلب الناس حالا أسوأ مـــن ذي قبل.

وألحقت هجمات مميتة نفذها إسلاميون متشددون ضررا شديدا بقطاعي السياحة والاستثمار المهمين للاقتصاد مما دَفَعَ إلى انخفاض قيمة العملة بنسبة 60 فـــي المئة منذ سَنَة 2011 وصعود التضخم لأعلى مستوى فـــي ثلاثة أعوام ونصف العام.

* خيبة أمل

ذكــر بشير حسين ”كنا نأمل أن تصبح حياتنا أفضل وأن نحصل على وظائف وسكن. لكن كل شيء أصبح أسوأ“.

يشعر حسين، أحد الخريجين الساخطين، بالحرج لأنه لا يزال يعيش بمنزل أسرته بعد أن أصبح عمره 32 عاما عاجزا عن العثور على وظيفة مناسبة منذ تخرجه قبل عشر سنوات، وهو مصير يشاركه فيه كثيرون فـــي دولة تصل فيها نسبة البطالة أوضح الشباب لنحو 30 فـــي المئة. وذكـر ”لا أستطيع أن أتزوج ولم يعد لدي أمل فـــي تحسن الأوضاع“.

كـــان حسين وأصدقاؤه يحدوهم الأمل فـــي أن تساعدهم ثورة 2011 فـــي العمل بالهيئات العامة التي اتسعت بشكل مطرد فـــي عهد بن علي شراء للولاء، إذ وَصَلَ إنفاق تونس على أجور القطاع العام نحو 15 فـــي المئة مـــن الناتج المحلي الإجمالي وهو مـــن أعلى المستويات على مستوى العالم.

لكن هذا النموذج تداعى مع تراجع صادرات الفوسفات تأثرا بالاحتجاجات المطالبة بفرص العمل، علاوة على تراجع عائدات السياحة، مما دفع تونس من اجل الحصول على قروض مـــن صندوق النقد الدولي ودول غربية.

ويريد المقرضون أن توقف الحكومة إنفاق ما يقرب مـــن ثلثي الميزانية على رواتب القطاع العام وأن تركز على التعليم والبنية التحتية لتوفير فرص عمل على المدى البعيد.

ويقول المحتجون فـــي سيدي بوزيد إن الســـلطات تعهدت فـــي 2015 بتشغيل نحو 60 خريجا مـــن المدينة، وهي بادرة يقول محللون إنها كثيرا ما تستخدم لتثبيط المعارضة. ولم تتجسد مثل هذه الوعود على أرض الواقع قط مع تجميد التوظيف بفعل سياسة التقشف.

وذكـر حسين ”تلقينا وعدا لكن المسؤولين تراجعوا... سنواصل الاحتجاج“.

واستجابت الحكومة لضغوط النقابات العمالية مـــن أجل عدم تسريح موظفي القطاع العام، الأمر الذي لا يدع مجالا لتعيين موظفين جدد.

ومن أجل المساعدة فـــي تلبية مطالب الدائنين الدوليين بخفض عجز الموازنة، رفعت الحكومة التونسية منذ بداية العام الْحَديثُ الضرائب وكثيرا مـــن الأسعار بدءا بالبنزين وانتهاء بمكالمات الهاتف المحمول، مما أوقع الضرر الأكبر على العاطلين عن العمل.

وفي حين أن الاحتجاجات أصغر مما كانت عليه فـــي 2011، يشعر المستثمرون والدبلوماسيون الغربيون بالقلق مـــن أن تضغط تلك الاحتجاجات على الحكومة لتخفيف الإصلاحات، كَذَلِكَ عُلِيَ الْجَانِبُ الْأُخَرَ حدث مـــن قبل، لضمان السلم الاجتماعي.

ونتيجة لإثارة هذه المخاوف أيدت حركة النهضة الإسلامية، وهي جزء مـــن الائتلاف الحاكم، دعوات مـــن النقابات العمالية للتراجع عن بعض الإصلاحات بما فـــي ذلك خفض الدعم.

ويقول تشارلي روبرتسون كبير الخبراء الاقتصاديين فـــي رينيسانس كابيتال ”أظن أنه سيتعين عليهم التنازل (ولو جزئيا) بينما يتعلق بمطالب الأجور وتأجيل رفع الأسعار“.

* نقص الأموال يثير شبهات الفساد

تقع سيدي بوزيد على بعد 200 كيلومتر فقط مـــن العاصمة تونس على ساحل البحر المتوسط، لكن الرحلة إلى المدينة التي يقطنها 300 ألف نسمة تستغرق أربع ساعات بالسيارة إذ لا يوجد أي طريق سريع أو خدمة سكك حديدية.

ويدفع هذا سائقي السيارات للاعتماد على الطرق المتعرجة البطيئة الوعرة أوضح قرية وأخرى.

ذكــر عطية العثموني، وهو ناشط مـــن أوائل مـــن دعوا للاحتجاج فـــي سيدي بوزيد بعدما أضرم بائع شاب النار فـــي نفسه حين صادرت الشرطة عربة فاكهته ”طالبنا مرارا بالربط بطريق سريع أو خط سكك حديدية كي يأتي المستثمرون، لكن يقال لنا لا توجد أموال“.

وتـابع ”المال موجود، لكنه لا يوزع على الناس لأن الفساد لا يزال قائما“ مشيرا إلى الإسكان المتداعي كدليل على ما وصفه بالاستيلاء على الأموال اللازمة للاستثمار فـــي البنية التحتية.

وينفي المسؤولون الحكوميون هذه الاتهامات ويقولون إن رئيس الوزراء يوسف الشاهد يعطي أولوية لمكافحة الفساد.

وحتى الآن حكم على ثمانية مسؤولين بالسجن لكن البرلمان أَبْرَزَ عفوا العام الماضي عن شخصيات متهمة بالفساد تنتمي لنظام بن علي، الأمر الذي أثار استياء الكثيرين مـــن عموم الناس.

ومع تجميد التعيين فـــي الوظائف العامة سعى البعض للعمل فـــي المزارع، لكن شبانا كثيرين يقضون أوقاتهم على المقاهي بلا عمل.

* لجوء يائس إلى ليبيا مـــن أجل العمل

اعتادت أسر كثيرة تدبير معيشتها مـــن عائدات الأقارب العاملين فـــي ليبيا المجاورة الغنية بالنفط إلى أن أطيح بمعمر القذافي فـــي انتفاضة مستلهمة مـــن ثورة تونس. لكن ليبيا سقطت فـــي حالة مـــن الفوضى المزمنة.

ورَحَلَ أغلب التونسيين ليبيا، لكن مع زِيَادَةُ تضخم أسعار اللحوم وغيرها مـــن السلع بنسبة تزيد على عشرة فـــي المئة عاد البعض رغم خطر العنف.

وذكـر مهران العلوي (24 عاما) وهو يجلس مع صديق بمقهى فـــي سيدي بوزيد ”جئت لتوي مـــن ليبيا وربما أعود فـــي غضون أسبوعين“. وتـابع أنه يعمل فـــي متجر على الطريق الساحلي فـــي مدينة الزاوية بغرب ليبيا حيث كثيرا ما يحدث تبادل لإطلاق النار أوضح الفصائل المسلحة.

وذكـر ”هناك مخاطر فـــي ليبيا، لكن فـــي تونس لا يمكنني العثور على عمل والأسعار عالية جدا“.

وذكـر الناشط العثموني إن آلاف الشبان غادروا سيدي بوزيد منذ 2011 سعيا للعمل فـــي الخارج وعادة ما يحاولون السفر بالقوارب إلى أوروبا فـــي هجرة غير شرعية أو ينضمون إلى تنظيم الدولة الإسلامية فـــي ليبيا أو العراق أو سوريا.

وتـابع ”عندما يتملكك اليأس تفعل أي شيء“.

المصدر : المصريون