السياسات الخارجية.. مناورة متقنة بين أمريكا والاتحاد السوفيتى
السياسات الخارجية.. مناورة متقنة بين أمريكا والاتحاد السوفيتى

كانت فترة الـــرئيس جمال عبدالناصر ثرية بكثير مـــن التفاصيل والجدليات فـــى واحدة مـــن أقوى حقب مصر فـــى تاريخها الجديـد، وربما فـــى تاريخها ككل، خاصة حين يكون الجديـد عن سياساتها الخارجية وقدرته على المناورة أوضح القطبين الكبيرين وقتها الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى، بعيداً عن أى اختلافات سياسية معه أو مع تلك الحقبة التاريخية، بحسب ما تؤكده دراسات غربية إلى جانب كتابات المؤرخين. موقع «إنترناشيونال ريليشينز» الإنجليزى المتخصص فـــى العلاقات الدولية تناول فـــى دراسة الفترة الناصرية، وقالت الدراسة إن جزءاً مـــن شهرة الـــرئيس الراحل جمال عبدالناصر يعتمد على مواقفه الخارجية التى جعلته يكتسب شعبية واحتراماً ليس فـــى مصر فحسب بل فـــى الشرق الأوسط وعلى الصعيد الدولى، كونه نُظر إليه باعتباره زعيماً يحارب القوى الاستعمارية الكبرى إلى جانب الوقوف فـــى وجه إسرائيل، خاصة بعد العدوان الثلاثى على مصر سَنَة 1956، التى انتهت بعلاقات جيدة أوضح «عبدالناصر» و«الاتحاد السوفيتى» كون الأخير دعم مصر بالسلاح فـــى مواجهة العدوان، فـــى حين أن الولايات المتحدة كانت قبلها عرقلت طلب مصر أمام «البنك الدولى» لبناء مشروع السد العالى.

وبحسب الدراسة فإن «عبدالناصر» بالرغم مـــن الدعم العسكرى الذى قدمه لـــه «الاتحاد السوفيتى»، فإنه لم يره كحليف، وإنما نظر إلى الاتحاد كفاعل دولى يريد أن يحقق أجندة خاصة به فـــى مصر والدول المجاورة، فضلاً عن غياب الدين عن عقيدة السوفيت، وأيضاً بيع الاتحاد أسلحة لإسرائيل خلال حرب 1948، إلى جانب أن «الاتحاد السوفيتى» السابق كـــان فـــى نظر «عبدالناصر» قوة إمبريالية.

«الدسوقى»: الولايات المتحدة الأمريكيـه قالت «يجب ألا يكون فـــى مصر ناصر جديد».. وانزعجت عندما رفع المصريون صورة «السيسى» بجواره أثناء الثورة على حكم الإخوان

أما بخصوص العلاقات مع الولايات المتحدة، فتقول الدراسة إن الولايات المتحدة فـــى هذا الوقت لم تكن قوة إمبريالية كبريطانيا وفرنسا فـــى نظر «عبدالناصر»، إلا أنه كـــان متشككاً فـــى أنشطتها ومصالحها فـــى المنطقة، وقد حاولت «الولايات المتحدة الأمريكيـه» بناء علاقات مع «عبدالناصر» ليس فقط فـــى فترة «حلف بغداد»، بل حتى فـــى فترة لاحقة، حتى إن الـــرئيس الأمريكى جون كيندى كـــان ينظر إلى «عبدالناصر» باعتباره رئيساً يريد مساندة شعبه، بل دعا البعض فـــى الولايات المتحدة إلى ضرورة مساعدة «عبدالناصر»، وبحسب الدراسة، فإنه بالرغم مـــن هذا فإن «عبدالناصر» لم يكن يريد أن تكون العلاقات مع الولايات المتحدة منقطعة، لكنه فـــى الوقت ذاته لا يريد أن يخرج مـــن علاقاته مع «الاتحاد السوفيتى»، هو اتبع سياسة «الحياد الإيجابى». وفى هذا الإطار أشارت الدراسة إلى أن «عبدالناصر» كَذَلِكَ عُلِيَ الْجَانِبُ الْأُخَرَ كتب هو وجه 3 شكاوى رئيسية ضد الولايات المتحدة بأنها ساهمت فـــى إطالة أمد الاستعمار، كَذَلِكَ عُلِيَ الْجَانِبُ الْأُخَرَ أنها داعم رئيسى للصهيونية، وبالتالى هى شريك فـــى الظلم الوحشى الذى ترتكبه إسرائيل لتخلق مشكلة هى الأسوأ فـــى الشرق الأوسط، وثالثاً أن «عبدالناصر» وصف السياسيين الأمريكيين بالأغبياء كونهم لم يفهموا الطبيعة النفسية للعرب وتطلعاتهم للوحدة الوطنية.

ثم تتطرق الدراسة لمرحلة مهمة فـــى سياسات جمال عبدالناصر الخارجية وهى مرحلة الحرب الباردة، وتقول إن «عبدالناصر» لم يرفض الأراضي الأمريكية ولم يرفض كذلك «الاتحاد السوفيتى»، كـــان بحاجة إلى العلاقة مع الطرفين، مـــن أجل زيادة مكانته السياسية والعسكرية فـــى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وبحسب ما نقلت الدراسة، فإن مصر فـــى تلك الفترة لتكون قوة بارزة تحتاج إلى 4 أمور رئيسية، وهى مـــصدر ثابت للتزود بالأسلحة الحديثة، وثانياً: نظام اقتصادى حيوى ومستقل، وثالثاً: أيديولوجية تلبى النداءات الوطنية، ورابعاً: مـــصدر دعم موثوق على الساحة العالمية، وقد قدمت «الحرب الباردة» مجموعة مـــن الفرص لتحقيق المتطلبات الأربعة لمصر، فقد مثل «الاتحاد السوفيتى» الأساس لتسليح الجيش المصرى، وحاولت «الولايات المتحدة الأمريكيـه» الحفاظ على هدوء مصر مـــن خلال المساعدات الاقتصادية، كَذَلِكَ عُلِيَ الْجَانِبُ الْأُخَرَ أتاح إنهاء الاستعمار سياقاً ملائماً لتطوير أيديولوجية عربية تطالب بالتحرر الوطنى، كَذَلِكَ عُلِيَ الْجَانِبُ الْأُخَرَ أتاحت المنافسة الشديدة أوضح القوى العظمى مجالاً للمناورة، فالرئيس الراحل لم يكن يعتمد على أى مـــن الطرفين، لكن استخدم الجانبين لتحقيق مكاسب لـــه، وهو الأمر ذاته الذى كانت تفكر به الولايات المتحدة و«الاتحاد السوفيتى» كذلك، وقد استطاع بهذه الطريقة تحقيق مكاسب كبيرة.

دراسة غربية: مواقف الـــرئيس الراحل جعلته يكتسب شعبية واحتراماً فـــى مصر وكل الشرق الأوسط

مـــن جهته، ذكــر المؤرخ الدكتور عاصم الدسوقى، فـــى اتصال لـ«الحياة المصرية»، إن «عبدالناصر استفاد مـــن فترة الحرب الباردة التى بدأت فعلياً مـــن سنة 1947 بداية مـــن خطاب الـــرئيس الأمريكى ترومان بتدبير أموال لمساعدة اليونان وتركيا فـــى الحرب حتى لا ينهار النظام القائم فـــى مواجهة الشيوعية، هذه الفترة استفاد منها جمال عبدالناصر، بـــأن يطلب مـــن إنجلترا توريد سلاح فترفض إنجلترا، فيطلب مـــن الولايات المتحدة فتقبل بشرط إرسال بعثة عسكرية لها، فيلجأ إلى الاتحاد السوفيتى الذى استجاب لـــه»، وتـابع «الدسوقى»: «أيضاً فـــى موضوع بناء السد العالى، يطلب مـــن البنك الدولى فيرفض بحجة أن الميزانية المصرية ضعيفة، فيلجأ عبدالناصر إلى الاتحاد السوفيتى فيقوم الاتحاد بهذه المهمة»، وأضــاف: «ومن هنا استفاد جمال عبدالناصر مـــن الصراع أوضح الكتلتين لصالحه فـــى البناء والتنمية، والاتحاد السوفيتى لم يكن يفرض شروطاً مالية أو شيئاً مـــن هذا القبيل، وإنما كـــان يعمل على زيادة جرعة التحرر مـــن الاستعمار الرأسمالى».

وذكـر «الدسوقى»: «مسألة الجديـد عن سلبيات وإيجابيات للفترة الناصرية أمر غير صحيح لأن هذا أمر نسبى، كل قانون يصدر لـــه مستفيدون ومضارون، ونحكم عليه إذا كـــان المستفيدون مـــن هذا القانون الأغلبية العامة مـــن الشعب فإنه يكون قراراً إيجابياً عادلاً، إذا كـــان المستفيدون قلة ضئيلة فهذا قرار سلبى». وذكـر «الدسوقى» حول ما يمكن الاستفادة به مـــن الفترة الناصرية: «فترة جمال عبدالناصر أعادت مصر لأن تكون قوة فـــى العالم الثالث لها كلمة مسموعة، مـــن خلال السياسات التى اتبعها جمال عبدالناصر، المشكلة فـــى أن السياسة الأمريكية كانت ترفض انتهاج جمال عبدالناصر هذه السياسة، خصوصاً عندما أقدم فـــى أول يناير سنة 1957 على إلغاء اتفاقية الجلاء مع بريطانيا المعقودة فـــى 1954، كانت هذه الاتفاقية تسمح بعودة الجيش البريطانى إلى قاعدة الإسماعيلية عندما تحدث حرب إقليمية»، وتـابع: «هنا ذكــر الـــرئيس الأمريكى الأسبق دوايت أيزنهاور إن عبدالناصر يجب أن يرحل، بعد وفاة جمال عبدالناصر قالت الإدارة الأمريكية إنه لا ينبغى أن يكون هناك فـــى مصر ناصر مرة أخرى، ولهذا استقطبوا أنور السادات الـــرئيس الراحل، وبالتالى بدأت سياسة الانفتاح، أى عودة رأس المال إلى الحكم وسياسة الاقتصاد الحر»، وذكـر «الدسوقى»: «ولا تزال هذه السياسة الأمريكية مستمرة، لأنه محظور عودة مصر لتكون قوة، ولهذا فإن الولايات المتحدة الأمريكيـه انزعجت عندما وجدت المتظاهرين فـــى 30 يونيو و4 يوليو 2013 يرفعون صور الـــرئيس «السيسى» إلى جوار صورة الـــرئيس الراحل».

المصدر : الوطن