شهاب الخشاب يكتب «الفهامة 75»: «التناص»
شهاب الخشاب يكتب «الفهامة 75»: «التناص»

إيه قصة الزعيم؟ كـــان يا ما كـــان فـــي جمهورية استبدادية مجهولة، زعيم شديد وهايف وضد الإمبريالية التوسعية. الزعيم بيموت فـــي يوم مـــن الأيام، بس الوزراء والأمن مابيرضوش يكشفوا الخبر، وبيمسّكوا الحكم لواحد شبه الزعيم عشان يخللي الفساد ماشي زي ما كـــان، ويضحك على الشعب ببقين حلوين: "أنتم مش عارفين إنكم نور عينينا؟". الوزراء بيخللوا البديل الغلبان يلبس لبس الزعيم ويتكلم بطريقته ويبان بجباروته عشان يقدروا يخلّصوا صفقة مع شركة أجنبية كبرى، ولكن فـــي آخر لحظة، الزعيم الْحَديثُ بيدرك المؤامرة، وبينقذ البلد بحسه الوطني الأصيل. الزعيم بيقول للوزراء الأشرار "مايصحش كده"، والدنيا بترجع زي ما كانت، إنما تحت حكم عادل هيخللينا "نبقى كده!".

بشكل سطحي، نقدر نقول إن قصة الزعيم عبارة عن نص فني فـــي حد ذاته، وإن النص ده بيورّي تفاهة الديكتاتورية وأصالة ابن البلد. فـــي القراءة دي، النص المسرحي مستقل غضونًا عن نصوص وأعمال فنية ثانية، والناقد لازم يحلل المسرحية فـــي الإطار الضيق اللي بتتقدم فيه. وإنما القراءة الضيقة دي لا يمكن تحصر جميع المعاني اللي بتخرج مـــن نص مسرحي زي "الزعيم"، لأن المعاني دي مرتبطة بنصوص ثانية كثيرة مـــن أول أفلام ومسرحيات عادل إمام السابقة لغاية خطابات الرؤساء المستبدين فـــي العالم العربي. العلاقة أوضح نص المسرحية والنصوص الثانية دي علاقة "تناص" حسب تعبير المنظرة الأدبية الفرنسية البلغارية جوليا كريستيڤا. 

مـــن أول ما كريستيڤا بدأت تستخدم كلمة "التناص"، المصطلح أخد معاني مختلفة فـــي كتابات نقاد مختلفين من خلال القرن العشرين، وإنما فكرة كريستيڤا البسيطة كالآتي: عكس النظريات الكلاسيكية اللي بتعتبر إن الفن والأدب مالهمش علاقة بالخطاب اليومي (يعني إيه خطاب؟)، كريستيڤا قالت إن عمر ما النصوص بتكون مستقلة فـــي ذاتها، وإنها دايمًا جزء مـــن عملية إنتاج بتستدعي نصوص ثانية. بالتالي أي نص فيه إمكانية دائمة إنه يحوّل المعاني السطحية اللي جواه لمعاني ثانية بتظهر فـــي إطـــار خطاب أوسع. بالمنطق ده، قراءة نص زي "الزعيم" أو مشاهدة المسرحية نفسها لازم تتم بالتعامل مع النصوص الثانية اللي ممكن تظهر ضمنياً جوة النص الرئيسي.

فمثلاً شخصية الصعلوك اللي بيأديها عادل إمام فـــي المسرحية مش مجرد الشخص اللي بيشبه الزعيم وبيطلع جدع وابن بلد فـــي الآخر: دي شخصية جسّدها عادل إمام فـــي أعمال ثانية كثيرة مـــن أول "الواد سيد الشغال" و"شاهد ما شافش حاجة" لغاية "شعبان تحت الصفر" و"شفيقة ومتولي". المتفرج المتمارس مدرك غضونًا إن إيفيهات عادل إمام فـــي الزعيم وطريقته فـــي التمثيل وطريقته فـــي الكلام مش مجرد مرتبطة بالشخصية اللي هو بيمثّلها فـــي المسرحية وبس، وإنما مرتبطة بجميع الصعاليك اللي مثّلهم فـــي أعماله الكاملة، وأي كلمة بتخرج مـــن بقه لها علاقة بالواد سيد وشعبان وحسين ومتولي قد الزعيم الزائف نفسه.

التناص هنا باين مـــن علاقة مسرحية الزعيم بنصوص ثانية سواء كانت مسرحيات أو أفلام، إنما هو كمان بيبان فـــي علاقة خطاب الزعيم بخطابات الرؤساء الديكتاتوريين الحقيقيين. الكلام عن الإمبريالية التوسعية مثلاً – التوسعية مـــن التوسع والإمبريالية مـــن الأمبرة – جاي مـــن الكلام الفاضي بتاع الزعماء القوميين بعد استقلال بلاد العالم الثالث فـــي القرن الماضي. الزعماء دول كانوا بيعادوا الاستعمار وفي نفس الوقت بيقولوا للشعب: "أنا مش قادر أديك... مش مش عايز، مش قادر". فـــي الإطار ده، خطاب الزعيم فـــي أول المسرحية مش ممكن يتاخد فـــي حد ذاته، وإنما لازم يتاخد فـــي علاقته بنصوص خطابات رئاسية رسمية بتتحوّل جوة النص المسرحي إلى مهزلة كوميدية.

كريستيڤا كانت بتكتب مقالات عن نصوص أدبية بتعريفهم الكلاسيكي، إنما كلامها عن التناص يقدر ينطبق على جميع المنتجات اللغوية التعبيرية، سواء كانت قصص قصيرة أو روايات أو مسرحيات أو أفلام أو حتى حكايات شعبية. المنتجات التعبيرية دي دايمًا موجودة فـــي علاقة تناص مع منتجات ثانية جوة سياق الخطاب العام، بمعنى إننا مانقدرش نفهم النص أو المنتج لوحده، إنما دايمًا لازم نفهم علاقة النص بنصوص ثانية وإزاي الإثنين متعشّقين فـــي بعض. أي كلمة وأي جملة وأي نص فيهم احتمال إنهم يتقاطعوا مع كلمات وجمل ونصوص ثانية، وبالتالي أي قارئ بيدعي إنه فاهم معنى النص فـــي حد ذاته لازم يتسئل سؤال واضح: 

"إنت دارس الموضوع ده؟!"

المصدر : التحرير الإخبـاري