سؤال قديم يتجدد..أين ذهب مسرحنا المدرسي؟
سؤال قديم يتجدد..أين ذهب مسرحنا المدرسي؟

تحقيق ياسر صديق:

سؤال قديم يتجدد، أين ذهب المسرح المدرسي؟ ومن الذي عمل على اقصائه؟ أهي يد قاصدة متعمدة أم جهل وتغافل؟ أهو إهمال جهة معينة أم جحافل المد الديني والتيارات الموغلة فـــي التشدد التي سيطرت على مقاليد أمور كثيرة فضاع المسرح ضمن ما ضاع واندثر؟
طرحنا السؤال على متخصصين فـــي الشأن المسرحي، والمهتمين بحال النشء والتعليم، سألناهم وفي غضون ذلك فقد كانت الإجابة وفي غضون ذلك فقد كــــان التفاعل، فندوا الأمر ونكأوا الجرح وطرحوا سُبل العلاج.
البداية كانت مع مؤسس مسرح الشباب رئيس مهرجان الكويت لمسرح الشباب العربي المخرج عبدالله عبدالرسول الذي استهل حديثه بالكشف عن كونه أحد مخرجات المسرح المدرسي، وأكد أنه واحد مـــن المؤمنين بأنه اللبنة الأولى لتشكيل وعي ووجدان وموهبة الفنان فـــي بداية مرحلته العمرية الأولى.
عبدالرسول اتفق مع الطرح، وأن هناك شبه غياب للمسرح المدرسي الآن، موضحا أن المختصين يعلمون ببواطن الأمور وأسبابها ملابساتها، لكنه رأى أن المسرح المدرسي لعب دورا مهما وملهما فـــي الماضي كونه كـــان المتنفس الوحيد لإبراز الموهبة، فـــي ظل غياب الوسائل التكنولوجية الموجودة في الوقت الحالي، ولم يكن هناك تعدد الأشكال المسرحية الموجودة في الوقت الحالي، لذلك كـــان ينفرد باكتشاف المواهب والقدرات.
وتـابع عبدالرسول: «دعنا نعترف ان غياب المسرح المدرسي ليس أمرا كويتيا فقط، لكنها حالة عربية عامة، على عكس أوروبا وأميركا وأستراليا التي تعمل على مسرحة المناهج وتطويعها بشكل مسرحي، وأتمنى مـــن كل قلبي أن يعود هذا البريق للمسرح المدرسي، وهناك اجتهادات حول ذلك، ونحن فـــي هيئة الشباب ننسق بشكل جدي مع وزارة التربية لإعادة البريق والتواجد والتنافس فـــي مجال المسرح المدرسي، مؤكدا أن المسرح الجامعي كذلك يحتاج إلى إعادة إحياء».

الأزمة
مِنْ ناحيتة ذكــر أحد القائمين على أمر المسرح الجامعي المخرج المسرحي نصار النصار ان إدارات المدارس ليست مهتمة بإحياء المسرح المدرسي بالشكل الكافي، مفرقا أوضح ذهـــــــــــب إدارات المدارس وتوجه إدارات وزارة التربية، فالثانية لديها ذهـــــــــــب واضح ومباشر بضرورة تواجد المسرح المدرسي وتوفير الدعم الكامل لاستثمار طاقة ومواهب الطلاب والطالبات، بل والمشاركة فـــي المسابقات المسرحية خارج الكويت.
النصار الذي عمل لفترة كمدرس أكد أن الأزمة تكمن فـــي عدم اهتمام إدارة المدرسة التي تنظر إلى النشاط المسرحي كأمر لا طائل منه ولا فائدة، كذلك أولياء الأمور لا يعولون كثيرا على الأمر، وفي الماضي كـــان النشاط المسرحي مخصصاً لـــه ساعة أو ساعتين حسب الجدول، الآن الأمر كله اجتهاد شخصي فإما أن تجد فريقا مسرحيا مـــن الطلاب أو لا.
وعن دور هيئة الشباب وسبل تعاونها مع وزارة التربية لم يعول النصار كثيرا على الأمر موضحا السبب بالقول أنه فـــي الماضي كانت لهيئة الشباب مراكز تخرج طاقات مسرحية، والهيئة اليوم ليس لديها الا مسرح الشباب، وليس لديها القدرة على انتاج أكثر مـــن عمل.
واستبعد النصار أن يكون للتشدد الديني دخل واضح فـــي اقصاء المسرح المدرسي مؤكدا أن المتشددين أيضا يلجأون إلى المسرح فـــي كثير مـــن الأحيان، فالاختلاف فـــي نوع الطرح وليس حرمانية المسرح أم حلاله، ضاربا المثل بالمسرح المدرسي فـــي إمارة الشارقة الذي يتم التنسيق والمتابعة لـــه مع أولياء الأمور ما يعمل على تشجيع الطالب على المذاكرة والتفوق لذلك أَكَّدَ حضورا ونجاحا كبيرين.
فوائد
الكاتبة الشابة تغريد الداود استهلت حديثها بالتأكيد أن المسرح الكويتي خرج مـــن رحم المسرح المدرسي، وكشفت عن تجربتها مع هذا النوع مـــن المسرح عندما كـــان ثمة تعاون بينها وبين قسم الرياضيات فـــي مدرسة عمير بن سعد بنين بمنطقة النزهة، وقدمت مسرحية هناك عن التعليم أوضح الماضي والحاضر مطعمة بجزء مـــن أساسيات منهج الرياضيات، وأبهرني التفاعل الواضح مـــن مدرسات قسم الرياضيات والإدارة المدرسية بشكل سَنَة، كذلك تحمس أولياء الأمور، وحصلت وقتها على شهادة إِحْتِرام وإشادة كبيرة مـــن موجه قسم الرياضيات بمنطقة العاصمة التعليمية، وقتها لمست مدى التعطش إلى مثل هذا النوع مـــن المسرحيات.
الداود أكدت أن المسرح المدرسي يساعد الطالب بشكل أساسي فـــي ضبط مخارج الحروف، وأساسيات الوقوف على خشبة المسرح، والثقة بالنفس، والحضور والالقاء، والكشف عن مواهبه وقدراته فـــي مرحلة مبكرة، والقدرة على تطويع المنهج التعليمي فـــي شكل درامي مسرحي، لذا فالكلام عن أن المسرح المدرسي يتعارض مع الأعراف أو الدين هو أمر مغلوط تماما، والتشدد الديني لا نستطيع أن نقول أنه السبب فـــي انزواء المسرح المدرسي، إنما تكمن العلة فـــي عدم اهتمام الدولة بالأمر، وبما أن واقعنا يقول ان الأولوية لم تعد للثقافة فأنا أناشد المسؤولين بضرورة تضافر الجهود أوضح وزارة التربية والمجلس الوطني للثقافة والفنون والاداب، والهيئة العامة للشباب، من اجل أحياء وإعادة طرح الأمر مـــن جديد.
تغريد الداود ختمت حديثها بالإشارة أيضا إلى إِخْتِبَار المسرح المدرسي الناجحة فـــي إمارة الشارقة كواحدة ممن كانوا شهود عيان على التجربة التي رعاها الشيخ سلطان القاسمي حاكم الامارة، مشددة على أن مهرجان المسرح المدرسي فـــي دول أخرى ينافس أكبر مهرجانات الدولة مـــن حيث الدعم والاهتمام.

قرار
المخرج المسرحي الشاب علي العلي شدد على أن المسرح المدرسي أهم التجارب الحياتية التي تؤثر فـــي نفسية النشء، كاشفا عن أن جيله يعتبر آخر مـــن لحقوا بركب المسرح المدرسي وقـــت أن كـــان لـــه حضور وسطوة.
العلي أماط اللثام عن أن النشاطات الفنية المدرسية كالرسم والموسيقى والمسرح تم إيقافها بقرارات صريحة وواضحة، أعقب ذلك تجاهل متعمد إرضاءً لبعض التيارات الدينية، ووقفت وزارة التربية على مدى عقود وعلى اختلاف الوزراء الذين تعاقبوا عليها مكتوفي الأيدي.
وتـابع العلي أن هناك محاولات مخلصة لإعادة المسرح المدرسي، وهناك استعانة ببعض الخبرات المسرحية مثل ما كـــان فـــي السابق، فعلى سبيل المثال الفنان عبدالرحمن العقل كـــان أحد المشرفين على الأنشطة المدرسية.
وتمنى العلي ألا يكون الأمر مجرد حالات واجتهادات فردية لبعض المدارس، وأن تحمل وزارة التربية القضية على عاتقها، فنحن فـــي أمس الحاجة إلى إرجاع ساعات النشاط الفني الأربع إلى ما كانت عليه، وكما اختفى المسرح المدرسي بقرار، فعودته تحتاج أيضا إلى قرار، وأعود لأؤكد أن العملية التعليمية فـــي الكويت برمتها تحتاج إلى ترميم، فما العيب لو تم ادراج الأدب العالمي والعربي كمقررات دراسية على الطلاب والطالبات؟، كذلك مسرحيات شكسبير والقصائد يجب أن تدرج ضمن مناهجنا التعليمية حتى نربي الذائقة الجيدة لدى أولادنا.

التشدد
مِنْ ناحيتة ذكــر المخرج المسرحي الأكاديمي د.مبارك المزعل انه صنيعة المسرح المدرسي، الذي بَيْنَ وَاِظْهَرْ وأخرج طاقات شبابية يافعة، مرجعا سبب اندثاره إلى زحف وسيطرة التيار الديني مطلع ثمانينات القرن الماضي واستسلام وزارة التربية للأمر.
وأكد د.المزعل أنه لو أردنا إعادة إحياء المسرح المدرسي فلابد مـــن تحركات سريعة وجادة تشمل أعضاء مجلس الأمة، ووزارة التربية، والمؤسسات الفنية فـــي البلاد لتدعيم وتنفيذ خطة جادة وملهمة.

المصدر : الشاهد