طلاب تونسيون..طريقنا إلى”الفردوس الألماني” يصطدم بـ”الوسطاء”
طلاب تونسيون..طريقنا إلى”الفردوس الألماني” يصطدم بـ”الوسطاء”

أضحى الكثير مـــن الطلبة التونسيين متخوّفين مـــن رفض ملفات التأشيرة فـــي السفارة الألمانية، لذلك يلجأون إلى شركات الوساطة حتى تتذلل العقبات أمامهم، لكن ما يشاع عن تَعَهُد غير معلن أوضح هذه الشركات وبين السفارة يطرح عدة أسئلة.كغيرهم مـــن الطلاب فـــي الكثير مـــن الدول فـــي طور الأنْتِعاش، يطارد الكثير مـــن طلبة تونس أحلامهم بالدراسة فـــي ألمانيا لأسباب كثيرة منها أساساً السمعة الطيبة التي تحوزها الجامعات الألمانية فـــي العالم وكذلك المستقبل المهني الذي يمكن أن يبنيه الطالب فـــي هذا البلد. بيدَ أن الطريق إلى ما يعتبره كثيرون "فردوساً ألمانياً" بات شديد الوعورة، بسبب التكاليف المالية الباهظة التي يتعين على الطالب التونسي توفيرها باليورو قبل وضع ملفه بالقنصلية.. تكاليف زادت مـــن حدتها أزمة مالية فـــي تونس أثرت كثيراً على قيمة الدينار المحلّي التي تراجعت كثيراً.

لكن ليست هذه التكاليف كلّ شيء، فقد انتعشت خلال السنوات النهائية شركات وساطة متعددة تعلن أنها ترافق الطلبة التونسيين مـــن تحضير ملف التأشيرة حتى الاستقرار فـــي ألمانيا، وطبعاً هذه المرافقة ليست بالمجان. مـــن الناحية النظرية، يبقى اللجوء إلى هذه الشركات أمراً اختيارياً بما أن موقع القنصلية الألمانية فـــي تونس لا يلزم أيّ طالب بالمرور عبرها، لكن شهادات مـــن هناك وهناك تتحدث عن أن هذه الشركات باتت ضرورة للطلبة حتى لا تُرفض ملفاتهم، بل إن هناك مـــن يتهم القنصلية بغض النظر عن أيّ ملف يخص تأشيرات الدراسة إذا لم يمر من خلال هذه الشركات.

شروط صارمة

حسب آخر تحديث لشروط الدراسة على موقع السفارة الألمانية فـــي تونس، توجد أساسيات بديهية من اجل الحصول على "تأشيرة الطالب" منها شهادة البكالوريا بميزة فوق المتوسط، وشهادة القبول فـــي جامعة ألمانية، والحصول على شهادة DSH أو TestDaf لأجل إثبات المستوى اللغوي فـــي الألمانية. أما مـــن يرغبون فـــي الحصول على تأشيرة "الاستعداد للدراسة"، وهي تأشيرة تخصّ الطلبة الذين لم يُقبلوا بعد فـــي جامعة ألمانية، ويرغبون بالسفر لدراسة اللغة الألمانية أولاً بسبب عدم توّفرهم على مستوى C1 الضروري للالتحاق بالجامعة، فهم يحتاجون للوثائق ذاتها، مع استبدال شهادة القبول بالجامعة بشهادة التسجيل فـــي دروس اللغة بأحد المراكز فـــي ألمانيا.

ورغم أن الأعباء المالية تكون أكثر على تأشيرة الاستعداد للدراسة بما أن مراكز تدريس اللغة فـــي ألمانيا تكون مدفوعة الأجر (ما أوضح 2500 يورو و3800 يورو للمدة الإجمالية كَذَلِكَ عُلِيَ الْجَانِبُ الْأُخَرَ ورد فـــي أحد مواقع المراكز)، إلّا أن الكثير مـــن الطلبة التونسيين يفضلونها على الفئة الأولى، كَذَلِكَ عُلِيَ الْجَانِبُ الْأُخَرَ يخبر طالب تونسي تحدث لـ DW عربية فـــي بون. السبب فـــي هذا التفضيل هو أن دراسة اللغة بألمانيا أقوى ممّا عليه الحال فـــي تونس وتؤهل أكثر لمسار شَدِيد فـــي الجامعة منذ البداية، زيادة على أن الوصول إلى ألمانيا فـــي هذه الفئة يمكِّن الطالب مـــن الاندماج قبل أن يبدأ مساره الجامعي.

لكن الشرط الأبرز هو تمويل الدراسة ـ وهناك حلان للمسألة، إما أن يكون للطالب قريب فـــي العائلة يلتزم بالتكفل بسكنه ومصاريفه هناك، وإما حلّ "الحساب المغلق"، وهو الحل الأكثر انتشارا، ليس فقط للتونسيين بل لأغلب الطلبة القادمين مـــن دول خارج الاتحاد الأوروبي. يُإِفْتَتَحَ هذا الحساب فـــي ألمانيا بقيمة 8640 يورو (25100 دينار تونسي تقريبا)، ويمكن فتحه بما يعادل قيمته فـــي تونس بالعملة المحلية ثم تحويله إلى ألمانيا. ويأتي توفير هذا المبلغ إلى جانب أعباء مالية أخرى كتذكرة الطائرة ورسوم التأشيرة.

عز الدين دحس، تونسي الأصل، يحمل الجنسية الألمانية، يتحدث عن معاناة أسر عديدة بتونس فـــي سبيل إرسال أبنائها: "هناك أسر دفعت ما يصل إلى 45 ألف دينار لأجل تمكين ابنها مـــن الدراسة فـــي ألمانيا. وأخرى اضطرت لبيع كل ما تملكه. للأسف، ألا يمكن أن تكون هذه المبالغ الكبيرة أحد أسباب ركوب قوارب الموت بالنسبة لشباب متعلّم يرغب بالهجرة؟".

ويتابع عز الدين لـDW عربية: " توفير ما يصل إلى 13 ألف يورو لمن يرغبون بدراسة اللغة فـــي ألمانيا قبل الالتحاق بالجامعة كـــان سابقا أمرا جد صعب، فما بالك اليوم، وقيمة العملة التونسية، آخذة فـــي الانحدار؟ فما بالك والطالب بات تقريبا شبه ملزم بالمرور من خلال شركات الوساطة؟".

شركات الوساطة.. استغلال للظروف؟

تعمل هذه الشركات أوضح ألمانيا وتونس، وتقدم خدماتها بعدة عروض يختارها الطلبة حسب احتياجاتهم وقدراتهم المالية، مـــن مجرّد المرافقة فـــي وضع الملف بالقنصلية، مرورا بالتسجيل فـــي دروس اللغة بتونس، انتهاءً بالمساعدة فـــي إيجاد السكن وإجراءات الدراسة والإقامة والتوجيه غداة الوصول إلى ألمانيا. الاعتقاد السائد فـــي تونس، حسب ما أخبرنا به طالب تونسي، هو أن المرور من خلال هذه الشركات يضاعف فرص المرشحين من اجل الحصول على التأشيرة.

رغم غياب أي إشارة إليها فـــي موقع السفارة الألمانية، فقد أضحت هذه الشركات ضرورة للطلبة التونسيين، تقول هالة الوسلاتي، وهي ناشطة تونسية فـــي المجتمع المدني بألمانيا ورئيسة سابقة لجمعية الأكاديميين التونسيين بولاية هيسن: "أعرف طالباً أرسل كل الوثائق المطلوبة للقنصلية من اجل الحصول على التأشيرة، لكن طلبه رفض. أعاد المحاولة بالأوراق ذاتها من خلال شركة وساطة، فقُبل الطلب!" تتحدث الوسلاتي فـــي تصريحات لـDW عربية. وتتساءل الوسلاتي: "إذا كانت السفارة لا ترغب بالتعامل مع الطلبة بشكل مباشر، فأقل شيء أن تضع قائمة بشركات الوساطة الموثوق بها على موقعها".

وجهت هالة انتقادات كثيرة لشركات الوساطة، فـ"علاوة على ثمن الخدمة التي يبدأ مـــن 300 يورو، تتنكر هذه الشركات لوعودها. فهي تعد الطلبة بسكن لائق، وعندما يأتي الطالب إلى ألمانيا يكتشف أنه يسكن فـــي حي هامشي أو أحياء تنتشر فيها الممنوعات كالمخدرات، وهناك طالبات وجدن أنفسهن فـــي أحياء قذرة، ممّا يصعب عملية الاندماج ويؤثر على المسار الدراسي للطلبة"، تقول الوسلاتي. وتعطي المتحدثة مثالا آخر: "يقال للكثير مـــن الطلبة إن شخصاً سيستقبلهم فـــي المطار، وعندما يصلون يكتشفون أن الشخص لا يقدم سوى إرشادات فـــي النقل، يتقاضى عنها مسبقا ثمن 50 يورو".

غير أن السفارة الألمانية فـــي تونس توّضح أنه لا علاقة للخدمات التي تقدمها شركات الوساطة بفرص الحصول على تأشيرة الدراسة فـــي ألمانيا، وأن الاعتماد على هذه الشركات لا يقوّي فرص الحصول على التأشيرة، إذ يؤكد متحدث مـــن السفارة لـDW عربية، عن ترديد هذه الشركات لشائعات بشكل ممنهج لجلب أكثر ما يمكن مـــن المعنيين.

وتقول السفارة إن الطلبة ملزمون بتلبية مجموعة مـــن الشروط الأساسية الواردة فـــي موقعها، كتأمين المصاريف المعيشية بألمانيا على الأقل للعام الدراسي الأول، بغض النظر عن دور شركات الوساطة، وإنه فـــي حال عدم تلبية هذه الشروط، فالطلب يتم رفضه كتابياً ويتم شرح أسباب ذلك فـــي رسالة.

هكذا تعاملت معنا شركات الوساطة

رضوان 19 سنة، وصل إلى ألمانيا قبل أسابيع، جاء هنا كي يحقق حلمه بـــأن يصبح مهندساً، كَذَلِكَ عُلِيَ الْجَانِبُ الْأُخَرَ يقول لـ DW عربية. طلب تقديمه باسم مستعار لأنه تخوّف مـــن رد فعل سلبي مـــن الشركة التي لا يزال على أجتمـع معها. هو الآن يدرس اللغة الألمانية ولم يلتحق بعد بالجامعة. تتجاوز تكلفة ما أدته أسرته لأجل الحصول على التأشيرة 15 ألف يورو، تشمل الحساب المغلق وتحويله إلى ألمانيا، و3 أشهر تأجير #مقصورة أداها مقدما، وستة أشهر مـــن دراسة اللغة الألمانية، وتأمين لمدة ستة أشهر، زيادة على خدمات الشركة التي رافقته، وتذكرة الطائرة، والقطار غداة الوصول. اختار رضوان الشركة بناءً على تجارب الآخرين:" فرصك قليلة فـــي القبول إن تقدمت لوحدك، فالقانون معقد والإجراءات طويلة، وقد ترفضك القنصلية لأقلّ الأسباب" يقول رضوان.

طرحـت شركة المرافقة على رضوان ثلاثة عروض، أولها 'ممتاز' والثاني 'مريح' والثالث 'أساسي'. اختار الثاني عله يجد مراده. الثمن الذي تطلبه الشركة فـــي العرض هو 300 يورو، لكن منذر اكتشف أن الغرفة اكتريت لـــه بـ680 يورو بينما لا يزيد ثمنها عن 450 يورو، كَذَلِكَ عُلِيَ الْجَانِبُ الْأُخَرَ أنه يتوّفر على تأمين بسيط لا يغطي كل احتياجاته الصحية، فضلاً عن أنه لم يجد مـــن يستقبله فـــي المطار لولا تطوع أحد معارفه، إذ لم يكن يعرف أين سيذهب، فاستقبال ممثل عن الشركة لـــه يلزمه باختيار عرض "ممتاز"، مع ما يلحقه مـــن مصاريف إضافية، زيادة على ما قاساه مـــن غياب أيّ إرشاد فـــي ألمانيا يسّهل عليه الاندماج، كَذَلِكَ عُلِيَ الْجَانِبُ الْأُخَرَ يقول.

قصة الغرفة تكرّرت مع الطالبة مرام، لكن بشكل آخر، فقد وُعدت وهي فـــي تونس بسكن لائق يبلغ شهريا 300 يورو، وعندما وصلت اكتشفت أن السكن لم يكن كَذَلِكَ عُلِيَ الْجَانِبُ الْأُخَرَ تظن: "#مقصورة فـــي طابق يسكن فيه أكثر مـــن 15 شخصا، عدد منهم يقطنون بشكل غير قانوني، شروط النظافة كارثية". عندما اتصلت مرام بالشركة أخبرتها هذه النهائية أن عليها أداء مبلغ أكبر إن أرادت سكنا أفضل، وهو ما وافقت عليه أسرتها دون تردد، وبعد 3 أسابيع انتقلت إلى #مقصورة أخرى بـ400 يورو، كانت أفضل مـــن سابقتها، حسب ما تحكيه لـDW عربية.

مرام التي تدرس فـــي جامعة مدينة أوغسبورغ، استنجدت بشركة للوساطة بعد اقتراح مـــن صديق يدرس فـــي ألمانيا. ساعدتها الشركة فـــي كل الإجراءات حتى الوصول إلى ألمانيا وفي غضون ذلك فقد كــــان مبلغ الخدمة ما أوضح 300 و350 يورو. تقول مرام لـDW إن هذه الشركات لها الكثير مـــن الإيجابيات وكذلك السلبيات، فباستثناء السكن وكذلك تعامل الشخص الذي أوكلته الشركة لاستقبالها فـــي المطار عندما أخذ منها ثمنا أكبر ممّا يتطلبه النقل، لم تشهد علاقتها مع الشركة مشاكل أخرى.

حظوظ أكبر لمن يمرون من خلال الوساطة

شركات وساطة عديدة حاولت DW الاتصال بها لكن لم يتسن الحصول على ردودها عن الأسئلة والإنتقادات التي يوجهها لها الطلاب.

حليمة الفرشيشي، موظفة بإحدى شركات الوساطة، تحدثت لـ DW عربية إن المبالغ المرتبطة بالتسجيل فـــي المعاهد والجامعات الألمانية بالإضافة إلى المبالغ المالية الخاصة بالتأمين وإيجار الشقق، تحدد سلفا مـــن قبل المؤسسات الألمانية ويقع تحويلها بشكل مباشر إلى حساباتها بألمانيا. وتنفي المتحدثة فـــي تصريحاتها أن تحصل الشركة حيث تعمل على عمولات مقابل تلك المبالغ لكنها تشير فـــي المقابل إلى التسعيرة الخاصة التي تقدمها الشركة لدراسة أيّ طلب للدراسة فـــي ألمانيا: 1300 دينار.

وفي الوقت الذي تنفي فيه الفرشيشي وجود أيّ تَعَهُد مع السفارة الألمانية حول قبول الطلبة، فإنها فـــي المقابل تؤكد أن نسبة قبول ملفات الطلبة التي تعالجها الشركة تفوق بنسبة 70 فـــي المائة نظيرتها التي تودع بشكل منفرد. توضح الفرشيشي: "يواجه الطلبة فـــي الكثير مـــن الأحيان مشاكل وصعوبات عندما يتقدمون بملفاتهم بمفردهم لدى السفارة. والسبب فـــي ذلك أنه فـــي الكثير مـــن الأحيان يعتري الملف نقصا ما".

مـــن هذه النقائص، عدم وضع المبلغ كاملا فـــي الحساب المغلق المخصص للدراسة أو حصول الطالب على معدل أدنى مـــن 12 على عشرين فـــي تونس، زيادة على غياب التسجيل المسبق فـــي معهد اللغة بألمانيا عند التسجيل الأولي فـــي إحدى الجامعات الألمانية، تقول الفرشيشي، مضيفة أنه حتى الملفات التي تعالجها الشركة يسْتَحْوَذَ فيها الرفض فـــي بعض الأحيان، الأمر الذي يجعل الشركة تتعلم مـــن أخطائها وتراكم خبرة تضمن نسبة كبيرة مـــن القبول وفق تعبيرها.

الكرة فـــي أرضيـه الإدارة الألمانية

فـــي ظل اقتصاد تونسي منهك، تبقى أيّ مصاريف إضافية على الطلبة، نوعاً مـــن الإرهاق المالي لهم ولأسرهم، خاصة بالنسبة لذوي محدودي الدخل، ومن ذلك ما تطلبه شركات الوساطة مـــن مبالغ للخدمة. فلا يوجد طالب منحدر مـــن أسرة متوسطة الدخل يرغب بزيادة الأعباء المادية الباهظة مـــن الأصل.

لذلك تقترح هالة الوسلاتي إحداث تغيير فـــي بعض القوانين، فهي ترى أنه يمكن للسلطات الألمانية أن تتيح للطلبة الأجانب الحق فـــي الاشتغال ساعات معينة بالأسبوع بعد نيلهم شهادة B1 وليس C1 كَذَلِكَ عُلِيَ الْجَانِبُ الْأُخَرَ عليه الحال الآن، فهذا التغيير "مـــن شأنه تقليل المبلغ الأوّلي اللازم توّفره فـــي الحساب المغلق، إذ يمكن أن ينخفض المبلغ إلى 6 آلاف يورو فقط، وهو مبلغ كافٍ ليُدبر بها الطالب أحواله فـــي الأشهر الأولى بألمانيا قبل أن يبدأ الاعتماد على نفسه فـــي العمل، بدل الاستمرار فـــي فرض 8640 يورو التي تفترض مسبقا أن الطالب لن يعمل عشرة أشهر على الأقل".

يقدم عز الدين دحس اقتراحا أكبر: "لمَ لا يتم السماح للطلبة التونسيين بالعمل منذ أسابيعهم الأولى بدل انتظار أشهر، حتى ينخفض مبلغ الحساب المغلق مـــن جهة، وحتى يستطيع الطالب الاندماج بسرعة وتطوير لغته الألمانية؟'. كَذَلِكَ عُلِيَ الْجَانِبُ الْأُخَرَ يقترح دحس أن يتم حذف دور شركات الوساطة بالكامل بالنسبة للطلبة محدودي الدخل : "يجب الإبقاء على الأمور الإدارية فقط دون إدخال الجانب التجاري. يمكن للسفارة الألمانية، بما تتوّفر عليه مـــن موارد بشرية، تنظيم موضوع استقبال طلبات التأشيرات والتواصل مع الطلبة دون الحاجة إلى وسيط".

إسماعيل عزام – بون/ طارق قيزاني – تونس

المصدر : وكالة أنباء أونا