بين ماض مؤلم وحاضر قَاسِي.. لاجئات في أثينـا يتطلعن للمستقبل
بين ماض مؤلم وحاضر قَاسِي.. لاجئات في أثينـا يتطلعن للمستقبل

هربن مـــن الحروب والاضطهاد والاعتداء الجنسي ولديهنّ إرادة قوية للمضي قدماً. تحدثت DW مع عدة نساء فـــي العديد مـــن مراكز اللجوء فـــي اليونان عن آمالهن فـــي المستقبل ومغامراتهن فـــي رحلة اللجوء.معظم النساء اللواتي قابلناهن فـــي مخيمات اللجوء فـــي اليونان لم يرغبن بالحديث أمام الكاميرا، واستغرق الأمر عدة ساعات مـــن الجديـد معهن كي يشعرن بالأمان بما فيه الكفاية لإخبارنا ببعض الأشياء عن أنفسهن. وبعضهن فقط اقتربن منا بشكل عفوي، ليخبرننا عن قصصهن ويتحدّثن عن خططهن للمستقبل.

واحدة مـــن أولئك النساء هي سلاف، مـــن قرية حردان، التابعة لقضاء سنجار فـــي شمال العراق، والتي أُجبرت على مغادرة بيتها مع زوجها، الذي كـــان مقاتلاً فـــي قوات البيشمركة الكردية، وقاتل ضد تنظيم "داعش"، وتعرض للتعذيب.

وبينما كانا يغادران قريتهما، وجد زوجها رضيعة بجانب الطريق، كـــان يبدو أنها وُلدت قبل بضعة أيام، وفي غضون ذلك فقد كانت تبكي وتنزف، حسبما أخبرتنا سلاف، التي أضـــافت أن زوجها حمل تلك الرضيعة بشكل عفوي ودونما أي تفكير.

شقت العائلة طريقها وبرفقتها الرضيعة إلى تركيا ومن ثم إلى اليونان، من خلال منطقة إيفروس على الحدود اليونانية التركية. تقول سلاف لـ DW: "لم يكن لدي أطفال، وهذه الرضيعة هي طفلتي الآن. كـــان مـــن واجبي كامرأة أن أصبح والدتها"، وتتابع: "لا أستطيع أن أتخيل حياتنا بدونها، فأنا أعيش ولدي الأمل بمستقبل أفضل فقط بسبب هذه الطفلة".

فـــي الوقت الحالي، تقيم سلاف وزوجها والطفلة التي تبلغ الآن سنتين مـــن العمر فـــي بلدة طيبة اليونانية، فـــي انتظار البت بطلب لجوئهم. تقول سلاف: "نريد المغادرة، أريد فقط أن أكافح مـــن أجل طفلتي".

نيلا تحلم بدراسة الطب فـــي أوروبا
وفي نفس مركز إقامة اللاجئين والمهاجرين فـــي طيبة، التقينا بالعديد مـــن النساء مـــن أفغانستان. توجد هنا مساحة مخصصة حيث يمكن للمرأة قضاء وقتها، والمشاركة فـــي الأنشطة الإبداعية. تتحدث النساء بحرية مع بعضهن البعض ومع الخبراء الذين يساعدونهن، بالإضافة إلى مشاهدة الأفلام والاسترخاء. فـــي هذا المركز، تكتسبن مهارات جديدة أيضاً، مثل الخياطة.

تحدثنا إلى فوجيا، التي تنحدر مـــن إقليم قندوز فـــي شمال أفغانستان، وهي أم لرضيعة حديثة الولادة، وطفل يبلغ مـــن العمر 10 سنوات، مقيم فـــي ألمانيا. قالت فوجيا لـDW: "ولدت هذه الطفلة فـــي اليونان، فـــي مخيم هيلينيكون للاجئين، حيث كانت الظروف المعيشية والصحية هناك سيئة"، وأضافت: "لم يكن هناك مراحيض ولا أسرّة كافية، وفي غضون ذلك فقد كانت الطفلة مريضة ولم يكن هناك أطباء".
تقول فوجيا إن عائلتها اضطرت إلى مغادرة أفغانستان بعد هجوم لطالبان، بعدما دمرت حيهم بأكمله، وتتابع: "فـــي كل يوم يُقتل ما أوضح 30 إلى 40 شخص فـــي مدينتي، فطالبان فـــي كل مكان".

إقليم قندوز هو أيضاً مسقط رأس نيلا، البالغة مـــن العمر 12 عاماً، والتي هي أيضاً فـــي مخيم طيبة. تتحدث نيلا الإنجليزية بشكل جيد، وهذا هو السبب فـــي أنها قادرة على مساعدة العديد مـــن النساء الأخريات فـــي مركز اللاجئين خلال تواصلهم مع إدارة المخيم وموظفي المنظمات غير الحكومية. تقول نيلا: "لقد كانت الحياة صعبة للغاية، ولكنني متفائلة الآن، أريد أن أدرس الطب فـــي أوروبا".
حورية لا تريد الجديـد عن الماضي
فـــي محطة أخرى مـــن رحلتنا من خلال اليونان، قمنا بزيارة إلى مركز الإيواء المفتوح فـــي إليوناس فـــي منطقة أتيكا، والذي لا يبعد كثيراً عن العاصمة أثينا. ويولي هذا المخيم اهتماماً خاصاً لما يسمى بـ"الفئات الضعيفة"، مثل النساء والأطفال والقاصرين غير المصحوبين بذويهم. حورية والعديد مـــن النساء الشابات اللواتي التقينا بهن هنا حوامل، ويتوقعن أن يلدن فـــي اليونان، رغم أن هذا البلد بالنسبة لهن ليس سوى محطة مؤقتة فـــي رحلتهن الطويلة إلى وسط وشمال أوروبا.

وفي غضون ذلك فقد كانت حورية، التي هي الآن فـــي الأشهر النهائية مـــن الحمل، قد هربت مـــن الرقة فـــي سوريا، المعقل السابق لتنظيم داعش، ووصلت مؤخراً إلى إليوناس مـــن جزيرة ليسبوس اليونانية، مع زوجها وأطفالها. تحدثت إلينا أمام باب الحاوية التي تقيم فيها، ولم ترغب فـــي إظهار وجهها. تقول حورية: "العيش هنا ليس سهلاً"، وتضيف: "ليس هناك ما يكفي مـــن البطانيات، لكن الوضع بالتأكيد أفضل مقارنة بالجزر". وتؤكد حورية أنها لا تريد الجديـد عن الماضي، ولا عن تنظيم "داعش".

إحدى قريبات منيرة تعرضت للاعتداء الجنسي
ولم يكن هناك سوى عدد قليل مـــن النساء اللواتي تجرّأن على الخوض فـــي تفاصيل رحلتهن إلى أوروبا والطرق، التي سرن فيها. واحدة منهن هي مُنيرة، الكردية اليزيدية مـــن شمال العراق. تقيم منيرة فـــي مركز للاجئين فـــي كافالا مع عائلتها وحماتها المريضة.

كانت ترغب حتى أن ترينا مسكنهم الصغير المؤقت داخل معسكر أسيماكوبولو العسكري السابق، على بعد عشر دقائق فقط مـــن وسط المدينة، التي تقع شمال شرق اليونان. قالت منيرة لـDW "لقد خُطف العديد مـــن أقاربي، وتم الاعتداء جنسياً على إحدى بنات عمي مـــن قبل أعضاء مـــن داعش، ولعب الحظ دوراً فـــي إنقاذي".

هذه الذكريات المؤلمة مـــن الماضي القريب لا يمكن محوها، ووقت الانتظار فـــي مخيمات اللاجئين اليونانية أمر صعب. وعلى الرغم مـــن كل هذا، فإن معظم النساء اللواتي تحدثنا إليهن مدفوعات بإرادة قوية للاستمرار. واختتمت سلاف، الشابة الكردية، التي تريد أن تكافح مـــن أجل الطفلة، التي وجدتها هي وزوجها: "ليس هناك خيار آخر سوى الاستمرار".

ديمترا كيرانودي/ محي الدين حسين

المصدر : وكالة أنباء أونا