متحف الزعيم فى منشية البكرى.. هنا عاش «موحِّد العرب»
متحف الزعيم فى منشية البكرى.. هنا عاش «موحِّد العرب»

رحلة طويلة قطعتها سناء على مـــن محافظة الأقصر، وفي غضون ذلك فقد كــــان هدفها متحف الزعيم جمال عبدالناصر، المقام بمنزله فـــى منطقة منشية البكرى بالقاهرة، جاءت «سناء» لتلقى نظرة على مقتنيات الزعيم لتعود بها إلى زمن مفقود، وما إن وطئت قدماها باب المتحف حتى بدأت فـــى بكاء لم ينقطع طوال رحلتها داخل المتحف وهى تراقب صورته الضخمة فـــى مدخل المتحف، والتى ذيلت بعبارته الخالدة «لا نقاتل لنغلب، ولكننا نقاتل لنتحرر، ونحن لا نقاتل لنتوسع، ولكننا نقاتل لنحيا».

وتمر أعين الزائرين على مشاهد لا تنسى.. #مقصورة المكتب، التى رَأَئت أهم القرارات الناصرية، حيث كتبه وأقلامه وهاتف شهد استدعاء مجلس قيادة الثورة لاتخاذ قرار التأميم.. أسطوانات أم كلثوم.. #مقصورة النوم التى تضم ملابسه.. ربطات العنق.. قبعة حمته مـــن البرد فـــى شتاء روسيــــا أثناء رحلة العلاج مـــن مرض عضال.

«عبدالناصر لم يرحل.. عبدالناصر يعيش فـــى قلوب كل مصرى.. فـــى أنشودة حب ورّثناها لأبنائنا وأحفادنا.. هو الزعيم والقائد وأبوخالد وحبيب الشعب».. قالت السيدة الستينية، واستطردت: «صورة ناصر محفورة فـــى الوجدان، وبالرغم مـــن أن تلك زيارتى الأولى لمنزله، فإننى أعرفه بتفاصيله.. كانت الجريدة الناطقة نافذتنا التى نقلت الأحداث بحلوها ومرّها، فداخل #مقصورة الاستقبال كانت لقاءاته مع قادة أفريقيا ودول عدم الانحياز».

5 آلاف زائر يومياً مـــن كل الحياة المصرية العربى: زيارة تبدأ بالدموع وتمر بهتافات وتنتهى بمشهد الجنازة ونشيد «الوداع يا جمال يا حبيب الملايين»

ومن أمام تمثال الزعيم، الذى يتوسط طوائف الشعب والذى صممه النحات الضَّخْمُ وَالشَّاسِعُ جمال السجينى لوضعه فـــى ميدان التحرير والموجود فـــى قاعة الهدايا والأوسمة والنياشين، وقفت «سناء» وهى تبكى: «ما زلنا نبكيه وكأن رحيله كـــان امبارح، 47 عاماً مضت على غيابه وما زالت صورته تتوسط منزلى.. كـــان خبر وفاته فاجعة.. كيف؟ ومتى؟ كـــان يقف منذ قليل وسط الزعماء العرب يصافح كلاً منهم.. خرجنا جميعاً يومها رافضين تصديق خبر رحيله، سارع والدى إلى أقرب قطار وسط الآلاف، ومن محطة رمسيس سار إلى كوبرى القبة، حيث تمت مواراته الثرى، سيراً على الأقدام.. كـــان يروى لنا عن جنازة لم ير التاريخ مثلها.. كـــان كل مصرى يبكيه وكأنه أقرب قريب.. حشود غفيرة تسير مـــن نساء ورجال وشباب وشيب.. ينتحبون ويصيحون فـــى صوت واحد (يا جمال يا حبيب الملايين)».

«ثمانية عشر عاماً هى كل سنوات حكمه، كانت كافية لإيقاظ أحلام القومية العربية».. قالها رائد خطاب، فلسطينى، وتـابع: «كـــان بطلنا القومى الذى استطاع كتـب حلم الوحدة فـــى العالم العربى ورفض الاستعمار الغربى، وقف مع القضية الفلسطينية وحارب لأجلها، كانت كل آمالنا معلقة به لحل قضية ماتت برحيله».

وأضــاف: «كنت فـــى سنواتى الجامعية الأولى وكنت أعيش فـــى مصر.. كانت مشاعرنا كعرب متوحدة خلف حلم واحد يتزعمه جمال عبدالناصر.. كنا نستيقظ كل يوم على إنجاز جديد، فمن تأميم القناة إلى بناء السد.. توزيع الأراضى على أصحابها الفلاحين.. الإصلاح الزراعى.. كانت كل خطوة يخطوها بمثابة ميل.. ليس للمصريين فقط ولكن لكل العرب.. لا يوجد منزل فـــى البلاد العربية مـــن الخليج إلى المحيط لا يوجد به اسم ناصر أو جمال.. سمينا أولادنا باسمه تيمناً به وأيضاً بأسماء أولاد الزعيم، هدى ومنى وعبدالحكيم وخالد، لتصبح ألقابنا مثله (أبوخالد)».

«سناء»: «ناصر» لم يرحل وصورته محفورة فـــى القلوب.. وبحرينى: شيّعنا جثمانه فـــى جنازة تاريخية مـــن المحيط إلى الخليج.. وفلسطينى: وحَّدنا خلف حلم القومية العربية وكنا نصحو على إنجازاته اليومية.. ومديرة المتحف: أعيش إِخْتِبَار إنسانية فوق توقعاتى

محمد قاسم، كهل بحرينى، يتوكأ على عصاه، أخرج مـــن طيات ملابسه صورة عفى عليها الزمن إلا أنها لا تغادر ذاكرته.. إنها صورة لجنازة شعبية خرجت مـــن كل شبر فـــى العالم العربى لوداع «عبدالناصر»: «لم نكن نقول هذا مصرى وذاك بحرينى أو سورى أو فلسطينى.. كنا نقول هذا عربى مـــن قومية جمال عبدالناصر».

«فـــى هذا المتحف أعيش حالة إنسانية.. المتحف تحول مـــن مزار لرئيس مصرى إلى قبلة لمحبيه مـــن كل الحياة المصرية العربى.. خمسة آلاف زائر مـــن ليبيا وفلسطين وتونس ولبنان وسوريا والعراق واليمن.. يزورون المتحف يومياً.. بعضهم يأتى أكثر مـــن مرة.. أعمار مختلفة أغلبهم كبار سن».. قالت نادية أحمد كمال، مديرة متحف الزعيم.

وأضافت ، «لم أشهد عصر الزعيم جمال عبدالناصر ولم أكن أتوقع أن أمر بمثل تلك التجربة.. زرت عشرات المتاحف فـــى مصر وخارجها لشخصيات ملهمة إلا أن ما اختبرته منذ تولى إدارة المتحف لم أشهده فـــى أى مكان آخر.. وفود كاملة مـــن كل بقاع الحياة المصرية العربى تنتحب وتبكى بمجرد دخولها المتحف.. حالة مـــن الرهبة تنتابهم أمام قناع لوجه يحمل ابتسامة الزعيم ومجسم لليد اليمنى وهى منحوتة غير عادية حملت بطاقتها اسم (قناع الحياة)، وفى الحقيقة هو قناع الموت، ليس كباقى المنحوتات التى نفذت وهو على قيد الحياة، ولكنها منحوتة قيل إن جمال السجينى نفذها عقب وفاة «عبدالناصر» مباشرة ودون علم أسرته، حيث قام بصب الجص على وجه الزعيم للاحتفاظ بملامحه وعمل منحوتة أكبر.. تلك القطعة تحديداً يقف أمامها الزوار وقتاً طويلاً يتأملون وجه الزعيم.. يحاولون استنشاق عبيره داخل #مقصورة نومه.. ومن أمام خزانة ملابسه تسبقهم مشاعرهم.. وصمتت «نادية» قليلاً قبل أن تستكمل وهى تبكى: «مـــن أكثر ما أثر فـــىّ كـــان هناك سيدة سبعينية ورجل سورى قاما بتقبيل رأسى وسط فيض مـــن المشاعر لمجرد أننى أدير هذا المكان».

وعن قصة المتحف قالت مديرته: «قام الـــرئيس السيسى بافتتاح المتحف فـــى 28 سبتمبر 2016، وذلك بالتزامن مع الذكرى السادسة والأربعين لوفاة الـــرئيس الراحل جمال عبدالناصر، ومنذ ذلك الحين يتوافد المئات يومياً عليه، وفي غضون ذلك فقد كــــان على رأسهم السيدة حرم الـــرئيس ومعها 17 زوجة وزير، وجمال وسامية نيكروما، ابنا الزعيم الغانى نيكروما».

وواصلت: «يبدأ عملنا بجولة الزوار بالمتحف بـــأن نشرح لهم فكرة المتحف، الذى بدأت أعمال إنشائه منتصف سَنَة 2011 بعد الانتهاء مـــن استيفاء كافة الدراسات والوقوف على التصور النهائى لهذا المشروع الثقافى المهم، بعد أن وافقت أسرة الـــرئيس الراحل على تقديم كل متعلقاته الشخصية، وبدأ العمل فـــى المنزل الذى يقع على مساحة 13.400 م2 تشمل مبانى مـــن دورين على مساحة 1.300 م2 والباقى حديقة خاصة للبيت، وقد انقسمت خطة العمل بالموقع إلى ثلاث مراحل، الأولى لأعمال ترميمات المبنى الذى ظل مهجوراً منذ وفاة زوجة الزعيم، والثانية للتشطيبات النهائية، أما المرحلة الثالثة فقد شملت تجهيز البيت للعرض المتحفى».

وقالت: «تعتمد فكرة سيناريو العرض على تناول شخصية وسيرة وحياة الـــرئيس جمال عبدالناصر مـــن خلال ثلاثة محاور تختلف باختلاف محتوى العرض، وبالتالى فإن طبيعة المعروضات هى أساس تقسيم السيناريو، بحيث تقسم الزيارة إلى ثلاث جولات متحفية تعرض كل منها جانباً مـــن جوانب حياة الـــرئيس عبدالناصر، فـــى بيت يحدثنا عن ساكنه، مجريات تنسب لصانعها، ومقتنيات تؤرخ لصاحبها».

وتضيف مديرة متحف الزعيم: «الراوى فـــى المسار الأول هو المكان متمثلاً فـــى البيت، وهو فـــى الحقيقة يمثل جزءاً مـــن البيت وليس البيت كله بطبيعة الحال، وقد تم الاحتفاظ بالقاعات الرئيسية التى يتوجب الحفاظ عليها دون أى تغيير والمتمثلة فـــى مكتب الـــرئيس بكل مـــن الدورين الأرضى والأول والصالونات الملحقة بها، بالإضافة إلى #مقصورة نوم الـــرئيس وغرفة المعيشة وصالونين بالدور الأرضى، وذلك لإعطاء صورة كاملة للزائر عن الشكل الذى كـــان عليه البيت وطبيعة الحياة بداخله، وقد تم تخصيص عدد مـــن الغرف بالدور الأول بالجزء المخصص للبيت لتجهيزها متحفياً لعرض متعلقات الـــرئيس الأقرب للوجود بالبيت، وهى المتعلقات الشخصية كالملابس والأدوات الشخصية».

وأضافت ، «ينتقل مسار الزيارة بعد ذلك إلى الدور الأول، وهنا يكون التفاعل غير طبيعى، ومما رأيته بنفسى كـــان هناك وفد لبنانى يتفاعل مع العرض ويصفق مع خطاب التأميم ويبكى مع خطاب التنحى وينتحب مع الوفاة، حيث يحوى هذا المسار ذو الاتجاه الواحد تاريخ حياة الـــرئيس عبدالناصر مـــن خلال الأحداث التى شهدها وصنعها».

ويبدأ المسار، بحسب «نادية»، بالدور الأرضى بتمهيد عن وضع مصر قبل ثورة 1952 والأحداث السياسية والاجتماعية التى عجلت بقيام الثورة، ثم ينتقل الزائر إلى الدور الأول، حيث يتابع سرد الأحداث بعرض الفترات الزمنية المتلاحقة والأحداث الرئيسية التى شهدتها مثل معركة السد العالى وتأميم قناة السويس والعدوان الثلاثى على مصر والوحدة أوضح سوريا ومصر ونكسة 67، وحرب الاستنزاف، وذلك مـــن خلال عرض يعتمد فـــى الأساس على وسائط الفيديو والوسائط السمعية، بالإضافة إلى مجموعة مـــن المعروضات المتعلقة بالأحداث المختلفة والمؤرخة لها، وينتهى المسار بمشهد الجنازة الذى يختتم فصلاً مـــن فصول تاريخ مصر على مرثية (وداعاً يا حبيب الملايين).

المصدر : الوطن