الطاقة الشمسية في صنعـاء ـ نقطة ضوء وسط ظلام الحرب الدامس
الطاقة الشمسية في صنعـاء ـ نقطة ضوء وسط ظلام الحرب الدامس

انهيار الكهرباء فـــي اليمن وغياب الخدمة بسبب الاضطرابات الحرب دفع الناس للبحث عن بديل آخر فوجدوا ذلك فـــي الطاقة الشمسية التي تنعم بها بلادهم على مدار العام، حتى أنها وصلت إلى المناطق التي لم تعرف الكهرباء مـــن قبل.حينما غرقت أغلب المدن اليمنية بالظلام، بما فيها العاصمة صنعاء قبل أكثر مـــن عامين ونصف، لم تكن أسرة "حسن"، فـــي إحدى القرى الريفية بمحافظة ذمار (حوالي 100 كلم جنوب العاصمة) قد وصلها الاختراع الذي يطلق عليه "كهرباء"، لكنها فـــي السنوات النهائية حصلت عليه ولكن مـــن خلال "الطاقة الشمسية" التي باتت أغلب الأسر اليمنية، وبالذات فـــي مناطق شمال ووسط وغرب البلاد، تعتمد عليها. إِخْتِبَار فرضتها الظروف القاهرة التي تعيشها اليمن، ويُنظر إليها كظاهرة رائعة، لكن "الطاقة النظيفة" تواجه العديد مـــن الإشكالات وتتطلب التشجيع والتنظيم مـــن قبل الجهات المختصة.

فـــي "عثورة"، الواقعة فـــي منطقة جبلية تسمى وصاب العالي، حيث تنتشر العديد مـــن القرى، بعضها لم تصل إليه أي مشاريع خدمية مـــن الحكومة حتى اليوم، تتابع أسرة "حسن"، ما يدور فـــي العالم من خلال شاشة تلفزيونية (14 بوصة)، بالاعتماد على الطاقة التي يولدها لوح شمسي (قوة 150 واط) مرتبط بمنظم وبطارية (120 أمبير)، ومنها تتوزع أسلاك صغيرة لتشغيل مصابيح الإضاءة فـــي أرجاء المنزل وأسلاك لشحن الهاتف النقال، ولكن مع غروب الشمس، قد لا يمكن تشغيل التلفاز، سوى لساعات قليلة، والسبب تدهور كفاءة البطارية التي تخزن الطاقة الكهربائية، وهي المشكلة التي تواجه معظم مستخدمي الطاقة الشمسية.

ووفقاً لدراسة أجرتها مؤسسة "برسنت" لبحوث الرأي العام الماضي، فإن 51 بالمائة مـــن اليمنيين يعتمدون على الطاقة المتجددة (الشمسية بالغالب)، وأن نحو 34 بالمائة ممن يستخدمون الطاقة الشمية يستخدمونها فـــي الإضاءة وتشغيل الأجهزة المنزلية والكهربائية، بينما يستخدمها 17 بالمائة للإضاءة فقط.

تصل تكاليف منظومة الطاقة الشمسية المنزلية التي توفر الحد الأدنى لحاجة الأسر الفقيرة أو محدودة الدخل، كَذَلِكَ عُلِيَ الْجَانِبُ الْأُخَرَ هو الحال بالنسبة لأسرة "حسن"، لما يقرب مـــن 100 ألف ريال يمني (حوالي مـــن 300 دولار أمريكي)، وتشمل قيمة (لوح، بطارية ، منظم، وأسلاك)، لكن بعد أشهر قليلة تبدأ كفاءة البطارية بالتدهور تدريجياً. أما بالنسبة للأسر التي تحتاج لمزيد مـــن الطاقة ولديها القدرة المادية، وكذلك بالنسبة للمؤسسات، فإن تكاليف المنظومة القادرة على تشغيل أغلب الأجهزة قد تزيد عن ألفي دولار.

ويوضح المهندس المتخصص بالطاقة الشمسية، إبراهيم اليوسفي لـDW عربية، أن التوزيع السكاني فـــي اليمن هو عبارة عن عدد كبير مـــن التجمعات السكانية الصغيرة والمتباعدة، وهذا ما شكل عائقاً كبيراً أمام وصول خدمة الكهرباء للكثير مـــن المناطق، ومن هنا، حسب المتحدث، كانت "أنظمة الطاقة المستقلة المكونة مـــن الخلايا الكهروضوئية وبطاريات خزن الطاقة، هي الخيار الأفضل، بل وشكلت حلاً مثالياً يمكن الاعتماد عليه كلياً أو جزئياً بحسب القدرة المالية للأسرة.

عقبات أمام الاستخدام الأمثل للطاقة الشمسية

لكن استخدام الطاقة الشمسية بمبادرات فردية يواجه الكثير مـــن العقبات منها ـ حسب المهندس اليوسفي ـ التكلفة المرتفعة للمنظومة وأيضاً كون هذا المجال جديداً، فإن الغالبية مـــن الناس لا تمتلك وعياً كافياً بهذه الأنظمة مـــن حيث الصيانة الدورية لبعض المكونات وعدم المعرفة بشروط ومعايير الاستخدام الأمثل للنظام، وقبل ذلك الجهل بمعرفة الأنظمة ذات الجودة الأفضل فـــي ظل انتشار هذه الأنظمة فـــي السوق مـــن مختلف الماركات.

ويضيف اليوسفي بالقول إن "محدودية الإمكانيات المالية لدى الكثير مـــن سكان الريف تحتم على البعض شراء منتجات طاقة بمعايير جودة منخفضة وهذا يسبب إخفاقاً مبكراً لبعض أجزاء منظومة الطاقة وبالتالي إخفاق النظام كاملاً فـــي فترة لا تتجاوز سنة واحدة".

مـــن ناحيته يرى الخبير والإعلامي المهتم بشؤون الطاقة عمر الحياني، أن ما يُعاب على إِخْتِبَار استخدام الطاقة الشمسية هو أنه "ما يزال هناك استخدام عشوائي وغير مدروس لحاجة الأسرة مـــن الطاقة، فهي مقتصرة على الإنارة فـــي معظمها إلى جانب تشغيل الأجهزة الإلكترونية كالتلفزيون والكمبيوتر والغسالات، والقليل منها يستخدم فـــي تسخين وتدفئة المياه".

ويضيف الحياني بالقول: "إنها إِخْتِبَار رائعة فـــي التوجه العام لاستخدام الطاقة النظيفة وتحتاج إلى التشجيع والتنظيم الحكومي لرفع كفاءة الاستخدام وتأهيل الكوادر الفنية التي يحتاجها السوق فـــي هذا الجانب".

وهناك استخدامات أخرى للطاقة الشمسية فـــي المجال الزراعي ومجال مياه الشرب، إذ أنه وبسبب زِيَادَةُ أسعار الوقود (الديزل)، وصعوبات توفيره أحياناً بسبب الحرب، دخلت الطاقة أيضاً مجال المياه فـــي الأرياف لتشغيل مضخات مياه الشرب مـــن الآبار فـــي الكثير مـــن المناطق الريفية والنائية.

الفقر و"رفاهية" الكهرباء

مع نشوب الحرب فـــي اليمن، دخلت البلاد فـــي أزمة خانقة وانهارت الكثير مـــن الخدمات، حيث توقفت محطات توليد الكهرباء الحكومية وغرقت العاصمة اليمنية والعديد مـــن مدن البلاد فـــي ظلام دامس. على الجانب الآخر راجت تجارة منظومات الطاقة الشمسية المنزلية فـــي الأسواق وانتشرت ألواح الخلايا الشمسية فوق أسطح البيوت فـــي كل مدينة وقرية تقريباً بما فـــي ذلك المناطق التي لم تكن قد وصلتها الكهرباء أصلاً.

ورغم أن الكهرباء الحكومية عادت بشكل كلي أو جزئي إلى بعض مناطق اليمن سيما تلك التي تسيطر عليها الحكومة المعترف بها دولياً جنوب ووسط البلاد وشرق البلاد، إلا أن بقية المناطق بما فـــي ذلك العاصمة صنعاء بقيت تعتمد بشكل شبه كلي على الطاقة الشمسية لتغطية الاحتياجات الأساسية للبيوت.

ويقول الخبير والإعلامي المهتم بشؤون الطاقة، عمر الحياني لـDW إنه منذ اندلاع الحرب فـــي 2015 وانقطاع التيار الكهربائي لجأت الأسر فـــي المدن وبالذات فـــي صنعاء إلى استخدام الطاقة الشمسية والتي مثلت حبل النجاة من اجل الحصول على الطاقة. ولأن سَنَة 2015 شهد اليمن حصاراً خانقاً وانعداماً للمشتقات النفطية فقد كـــان اللجوء لاستخدام الطاقة الشمسية هو المتاح الوحيد"، ومثل ذلك "نقلة نوعية فـــي اللجوء لاستخدام الطاقة المتجددة رغم تكاليفها المرتفعة على الأسر".

فـــي المدينة، كَذَلِكَ عُلِيَ الْجَانِبُ الْأُخَرَ هو حال فـــي صنعاء، أكبر المدن اليمنية، تتنوع استخدامات الطاقة الشمسية وهناك الأسر والمؤسسات التي تستطيع شراء منظومات طاقة كبيرة تفي بكل احتياجاتها، بينما تكتفي الأسر محدودة الدخل بمنظومة بسيطة لسد الحد الأدنى مـــن الاحتياجات الضرورية. لكن هنا أسر فقيرة وهي التي تشكل الغالبية العظمي مـــن سكان اليمن، اضطرت للاستغناء عن "رفاهية الكهرباء" وعن الكثير مـــن الاحتياجات الأساسية تحت حَدَثَ الفقر الذي تعيشه فـــي ظل الحرب، حيث تقدر الأمم المتحدة إن ما يقرب مـــن 80 بالمائة مـــن اليمنيين (أكثر مـــن 20 مليون شخص) بحاجة إلى مساعدات بينما هناك حوالي ثمانية ملايين "على شفا المجاعة"، حسب المنظمة الأممية.

أسرة معمر التي تسكن حي "الصافية" فـــي صنعاء، وفرت اثنين مـــن الألواح الشمسية (150 وات و100 واط)، لاستخدامات لا تختلف كثيراً عن الريف (الإضاءة، وشحن الهواتف وتشغيل التلفاز)، بالإضافة إلى تشغيل غسالة الملابس. تقول أم معمر إنها لا تستطيع تشغيل أجـــهزة التبريد أو التدفئة لا سيما خلال موجة البرد القارس التي اجتاحت العاصمة ومعظم مناطق اليمن مؤخراً.

سوق رائجة وفرص عمل جديدة

فـــي الأشهر الأولى للأزمة فـــي البلاد (تصاعدت منذ مارس/ آذار 2015)، لم يكن هناك فـــي الأسواق سوى عدد قليل مـــن الألواح الشمسية والبطاريات، جرى استهلاكها لترتفع أسعارها بصورة كبيرة، قبل أن يلجأ التجار، إلى استيراد مستلزمات الطاقة الشمسية وانتشرت محال جديدة فـــي مختلف المدن، متخصصة ببيع وهندسة الطاقة، بما وفر تبعاً لذلك، مجال عمل، لمن يتولون تركيب وصيانة المنظومات الشمسية فـــي المنازل. يقول عبدالرحمن عيدروس، قَائِد المبيعات فـــي إحدى الشركات المتخصصة بصنعاء لـDW عربية إن "الطاقة الشمسية أصبحت مورداً اقتصادياً مهماً للكثيرين سواء كانوا أفرادا أو شركات.

ويضيف أن المواطنين "يشتكون مـــن زِيَادَةُ أسعار الألواح الشمسية والبطاريات ورداءتها، حيث يقل أداؤها عند الاستخدام مع مرور الأشهر الستة الأولى، ويرجع ذلك إلى سوء الاستخدام، أو انعدام المنتجات الأصلية، التي كانت متوفرة قبل ثلاث سنوات، وغرق السوق بالألواح والبطاريات الصينية الرديئة، التي لاقت رواجاً كبيراً مـــن قبل المستخدمين، نتيجة انخفاض ثمنها بالمقارنة مع الصناعات الأخرى"، وينصح المقبلين على الشراء "المواطنين دائماً باستشارة ذوي الخبرة حتى عند شراء المنتجات الصينية، لأنها أنواع".

صفية مهدي – اليمن

المصدر : وكالة أنباء أونا