“البيت الطائرة” – حلم شاب قبائلي يتحول إلى أسطورة في الجزائر
“البيت الطائرة” – حلم شاب قبائلي يتحول إلى أسطورة في الجزائر

تحولت، قصة البيت الطائرة، بولاية تيزي وزوالقبائلية شرق الجزائر، إلى أسطورة ملفوفة بقصص الحب والموت، غذّاها الكتمان والغموض. DW عربية تنقل مـــن قرية "ثالة تغلا" ببلدية بوجيمة، روايات أهل البلدة لقصة الطائرة المثيرة للفضول.بمطلع الألفية الثالثة فاجأ الشاب"ح. شافع" وكنيته "أوشعشوع" وهي كلمة أمازيغية وتعني صاحب الشعر الكثيف، سكان القرية ببناء بيت فـــي شكل طائرة بجناحين يُحلقان به فـــي أحلام وردية تجمعه فـــي عش الزوجية بخطيبته "زهور" (اسم مستعار)، إكرامًا وتأكيدًا على حبّه الشديد لها بحسب الرواية الأكثر تداولاً أوضح الناس.

اتفقنا بالهاتف مع الشاب "مراد" وهو موظف وناشط فـــي المجتمع المدني بالبلدة، على ترتيب إِجْتِماع بأقارب الرجل الذي صار مـــن رموز وأساطير الضاحية، فانطلقنا ذات سبتٍ وهو يوم إجازة نهاية الأسبوع، وسط طريقٍ شاقة وملتويةٍ على مسافة قاربت المائتي كيلومترٍ شرقي العاصمة الجزائرية.

تتوغّل المركبة بنا فـــي منطقة جبلية وعرة، ومرافقنا "أسامة" يلتفت يمينًا وشمالاً علّه يلتقط جناحي الطائرة مثلما وَصَلَ مسامعنا قبل الرحلة، وعلى بعد نحو ثلاثة كيلومترات مـــن مدخل قرية أقنوف أفقوس "أرضيـه البطيخ"، تراءت لنا طائرة إسمنتية ضخمة بهضبة تسرُّ الناظرين، وتكادُ تُغطّي القرية بجناحيها المبسوطتين على أعلى نقطة بالموقع.

فـــي لحظة غير متوقعة، نسف شقيق "أوشعشوع" الاتفاق بمحاورته حول الموضوع الذي نُسجت بشأنه قصص لها بداية تبحث عن نهايات، وعُذره فـــي ذلك أن الخوض فـــي المسألة يُقلّب المواجع ويهزُّ روح شقيقه مـــن تحت التراب، علاوة على تداعيات إثارة القضية بالوسط الاجتماعي بعد زواج "زهور" مـــن أحد أبناء القرية، فليس معقولاً أن نُحيي الجراح ونهدمَ بناءً أسريًّا يأوي طفلين، يقول "عبد النور" وعيناه مغرورقتان بالدموع.

نترك محدثنا بالمقهى الوحيد فـــي القرية، ونتوجه رأسًا إلى الطائرة للوقوف على حقيقة البيت الأسطوري، فـــي هذه الأثناء لم يبخل علينا ثلاثة مـــن الشبان – وبينهم أحد رفقاء الدرب واسمه أغيلاس- بسرد بعض تفاصيل إنجاز هذه البناية غير المكتملة.

يروي أغيلاس أن "شافع 29 سنة لم يُوفّق فـــي الحصول على الثانوية العامة، فتوجه إلى مجال النقل العام لمدة عامين، لكنه استثمر لاحقًا فـــي حرفة البناء والزخرفة بالجبس، مدّخرًا المال لمشروع زواجه".

يُزَيِّدُ أغيلاس: "فـــي الواقع، إن مخطط البيت الذي تشاهدونه جيء به مـــن فرنسا، وفي غضون ذلك فقد كــــان هديةً لوالده المغترب مـــن طرف أحد أصدقائه الفرنسيين، وقد استغلّ ابنه خبرته فـــي البناء لتشييد المجسم على الأرض، دون معونة مـــن أحد على الأقل فـــي مجمل المشروع".

لإتمام البناية "اضطر صاحب الحكاية لبيع مركبة النقل العام التي كرّس بها لأعمال تطوعية فـــي مرات عديدة، وبثمنها اشترى الإسمنت وحديد البناء لإتمام ما بدأه"، هنا يُقاطع الشاب علي محدثنا بلغة أمازيغية ويستذكر معه مغامرات نقل المعدات بواسطة جرار زراعي، وقد تعرض فـــي مرات عديدة لحوادث سير لم ينجُ مـــن إحداها حين انقلب به الجرار لصعوبة التضاريس.

يواصل علي: "كـــان يومًا أشبه بالخيال.. لم نصدق أن أوشعشوع رحل..الجميع هنا يمقت تاريخ الثالث مـــن أبريل/نيسان لأنه يوم حادثة الجرار فـــي العام 2004..كـــان فعلا يوما رهيبا، لكأن الحياة توقفت فـــي القرية".

"الطائرة ستقلع مجددا"!

ثمة إجماع هنا، على إنهاء البناية الأسطورة التي تستقطب حاليًا مئات الزوار مـــن الجزائر وخارجها، ما حرك مبادرة شبابية لتأطير مبادرة شعبية وبدون أيّ دعمٍ حكومي، بـ"غرض تحقيق حلم أوشعشوع الذي لم يتجسد فـــي حياته، ونحن نعمل على إهدائه لروحه" يُبرز المتحدثان لــــ DW.

ويتابعان أن أسرة الفتى الضحية لم ترفض الفكرة وأبدت رضاها عن مبادرة أهالي القرية بعد اقتناع والده بذلك، مع تأكيد الأخير على أن يحافظ "البيت الطائرة" على فكرته الأصلية وهي أربع غرف واسعة، اثنتاها تُطلاّن على الجناحين والأخريان تؤسسان على المقصورة حيث #مقصورة التحكم المفترضة تطلُّ على السكان القرويين.

"بوجيمة"..مدينة الصخور والتماثيل الخالدة

ويكشف أمحمد السعيد سعد الله عضو جمعية "أقنوف أقوس" الثقافية فـــي حديثه لــــ DW أنّ تجسيد هذا الحلم سيدعم ثراء المنطقة المعروف عن شبابها بنحت تماثيل ملوك الأمازيغ ونشطاء القضية الأمازيغية فـــي الجزائر، مضيفًا أن جمعيته تعمل بمعية فعاليات مـــن المجتمع المدني على إحياء التراث المحلي لسكان القبائل الأوائل والذين احترفوا نحت الصخور.

يقول سعد الله إن قرية "أوشعشوع" كَذَلِكَ عُلِيَ الْجَانِبُ الْأُخَرَ صار يسميها سكان القرى المجاورة، تُراكم تاريخًا يعود إلى القرن الـ14 ما قبل الميلاد، حيث امتهن أهاليها الزراعة وتربية الحيوانات مثلما تُظهره نقوش كثيرة وجُدت على صخور تعلو الجبال.

ويضيف بـــشأن خصوصية أخرى وهي صخرة العقلاء (آزرو إيفيازن) التي يقصدها شيوخ القرى التابعة لبلدة "بوجيمة" لحلّ خلافات السكان ودراسة مشاكلهم قبل رفعها إلى مسؤولي محافظة تيزي وزو ووزراء الحكومة الجزائرية.

ويُعارض، الناشط سعد الله استمرار حرفيي الصقل فـــي استغلال الحجارة لصنع تماثيل تُباع بأثمانٍ بخسة على حافة الطرقات، داعيًا الســـلطات إلى حماية "تراث الأجداد" وفق القانون ساري المفعول والذي يصنف الآثار ضمن المحميات التي يُمنع المساس بها.

عهد الحجارة أو شبح"السيليكوز"

نجم عن حرفة صقل الحجارة فـــي هذه المنطقة، تعرض العشرات مـــن السكان إلى الإصابة بمرض يسمى "السيليكوز" وهو مرض صدري ناتج عن استنشاق جزيئات غبار السيليس البلورية الحرة صغيرة الحجم، التي تصل إلى المحويصلات الهوائية، وقد أدت بكثيرين إلى الموت، ما جعل نشطاء وفاعلين بالمجتمع المدني يرفعون نداءات استغاثة لتدخل الســـلطات قصد منع النشاط غير القانوني لصقل الحجارة ببلدة "بوجيمة".

يكشف الطبيب المختص فـــي الأمراض الصدرية والحساسية، رشيد شاهد، أن "أرقام ضحايا هذه المهنة فـــي زِيَادَةُ رهيب سنويا، ولا توجد أرقام محددة لأن عملهم غير مؤمَّن لدى الجهات المعنية، كَذَلِكَ عُلِيَ الْجَانِبُ الْأُخَرَ أن غالبيتهم شباب لا تتعدى أعمارهم الـ 45 سنة."

ويواصل، الطبيب شاهد حديثه لـ DW :"أعرف شبابًا يعاني مـــن مرض السيليكوز، توفوا بعد 5 سنوات مـــن العلاج فـــي هذه المصحة (تقع بوسط محافظة تيزي وزو)، والسبب راجع إلى الغبار الناتج عن عملية صقل الحجارة، الذي يسبب التهابات على مستوى الرئة ويمنع مـــن دخول الأكسيجين، ومع مرور الوقت يفقد المريض القدرة على التنفس إلى أن يموت".

وتـابع، شاهد، أن "مرض السيليكوز عند اختراقه جسم الإنسان، لا يمكن التحكم فيه، لأن حبيبات الغبار التي تدخل الرئة تحدث فيها جفافًا، وتشكل حاجزًا أمام دخول الأكسيجين إلى الرئة". ويشدد أن "حرفة صقل الحجارة حاليًا أصبحت قاتلة بسبب الآلة المستعملة، والتي تخلف أضرارًا جسيمة على الصحة، خلافًا لما كـــان متداولا فـــي القدم لأن الأولين كانوا يستخدمون أدوات تقليدية لكسب رزقهم مـــن هذه الحرفة".

ويكاد الطبيب ذاته يجزم أن التوعية بخطورة امتهان صقل الحجارة وسط المجتمع المحلي، لا يؤدي إلى أية نتيجة رائعة، مضيفًا بقوله:"قمنا قبل 6 سنوات بتنظيم فعاليات تحسيسية بالشراكة مع ســـلطات المحافظة المحلية، ولكن السكان الذين بدؤوا امتهان الصقل، يرفضون التوقف على ممارساتهم، وقد صدمنا كثيرون بإصرارهم على الوضع القائم، ولذلك لا يمكن توقّع نهاية عهد الحجارة، أو التنبؤ بعدد الوفيات".

سمير بوترعة – الجزائر

المصدر : وكالة أنباء أونا