استقالة الحريري.. هل اقتربت الحرب في لبنان؟
استقالة الحريري.. هل اقتربت الحرب في لبنان؟

الحياة المصرية :- "استقالة ملتبسة مرتبكة ومشبوهة فـــي الزمان والمكان والوسيلة والمضمون".. هكذا وصف وزير العدل اللبناني سليم جريصاتي المحسوب على التيار الوطني الحر استقالة رئيس الحكومة سعد الحريري.
ولأنها كانت "مفاجئة" فـــي حدها الأدنى، فقد أثارت حالة مـــن "الصدمة السياسية" فـــي الأوساط اللبنانية والإقليمية، فرحب بها البعض واستهجنها آخرون، وتساءل فريق ثالث عن دوافعها وسياقاتها، وَنَبِهَةُ آخرون مـــن تداعياتها وما تؤشر إليه مـــن تبعات و"مخاطر" متوقعة.
وبغض النظر عن حالة الانقسام التي أحدثتها ردود الفعل المتباينة حولها، فقد دفعت الكثيرين إلى التساؤل هل كانت تمثل قرعا لطبول حرب وشيكة فـــي المنطقة؟ وإذا كـــان الأمر كذلك فما هي أطراف هذه الحرب وأهدافها وميادينها؟
أسباب وخلفيات
برر رئيس الحكومة المستقيل سعد الحريري استقالته بالخشية على حياته وبشعوره بوجود دولة داخل الدولة، فـــي إشارة إلى حزب الله اللبناني، وهاجم فـــي الوقت ذاته إيران وذكـر إن لديها "رغبة جامحة فـــي تدمير العالم العربي"، وإنها "أينما حلت يأتي الخراب والفتن".
وخلص الحريري فـــي خطابه -الذي بث مـــن الرياض من خلال وسائل إعلام سعودية- إلى أن "أيدي إيران فـــي المنطقة ستقطع". ولم يطل الانتظار كثيرا حتى صـرح وزير الدولة الريـاض لشؤون الخليج العربي ثامر السبهان فـــي تغريدة لـــه أن "أيدي الغدر والعدوان يجب أن تبتر"، بصيغة مشابهة لتلك التي استخدمها الحريري فـــي تهديد إيران!
ولأن "قطع" أو "بتر" الأيدي الإيرانية التي "تمددت" كثيرا خلال السنوات النهائية فـــي أرجاء المنطقة، يفترض -وفقا للمنطق الطبيعي- "مواجهة مسلحة" فـــي الحد الأدنى، أو حربا مفتوحة وعلى أكثر مـــن جبهة، رأى البعض أن تصريحات الحريري والسبهان تمثل بطريقة ما "إعلانا" أو تهيئة لحرب كثرت نذرها فـــي الآونة النهائية.
وسارع وزير الدفاع الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان -تعليقا على استقالة الحريري- إلى التأكيد على استعداد الجيش الإسرائيلي من أجل مواجهة حلف إيران.
أهداف
ومن الواضح أن استقالة الحريري المفاجئة وبعد لقاءات شَدِيدَةُ وزيارتين متقاربتين للسعودية تهدف إلى أحد أمرين:
إما الضغط على إيران لحملها على التنازل فـــي ملفات أخرى أهم بالنسبة للسعودية، ويتعلق الأمر تحديدا بالملفين اليمني والبحريني، خصوصا بعد تصاعد الخسائر الريـاض فـــي حرب اليمن عسكريا وسياسيا وتضخم فاتورة الحرب إنسانيا، وتزايد الضغوط عليها مـــن طرف هيئات حقوقية دولية لوضع حد لها.
وليس التقارب الأخير مع الحكومة العراقية وبعض القادة السياسيين فـــي العراق ببعيد عن مساعي البحث السعودي عن أوراق ضغط على إيران من خلال مزاحمتها فـــي ساحات نفوذها وميادين قوتها.
ومع منطقية هذا الاحتمال، يرى البعض أنه كـــان بإمكان الريـاض اختيار وسيلة أخرى للضغط على إيران غير استقالة حليفها الأهم، فسياسة "المقعد الشاغر" تبقى الخيار الأسوأ فـــي عالم السياسة، ولا تلجأ إليه الدول إلا فـــي حالات الضرورات السياسية القصوى، وهو ما يعني أن الاحتمال الآخر المتعلق بالتهيئة لحرب واصِله يبقى واردا.

وإذا استحضرنا التنازلات التي قدمها الحريري فـــي إطـــار التسوية التي هيأت لاختياره رئيسا للحكومة، مقابل اختيار حليف حزب الله ميشال عون رئيسا للدولة بعد سنوات مـــن الرفض والتمنع، ندرك أن استقالته "المفاجئة" لن تكون إلا بدوافع "قاهرة"، خصوصا أن ما تحدث عنه -إِسْتِحْواذ حزب الله وتمدد إيران- ليس جديدا، وربما تكون الريـاض قد همست فـــي أذنه بما جعله يرجح خيار الانسحاب.
وغير مستبعد أن يكون ما أسرت به الرياض لحليفها القديم الْحَديثُ سعد الحريري هو ما نطق به أو ببعضه تلميحا أو تصريحا العديد مـــن المغردين السعوديين الذين تحدث بعضهم عن "عاصفة حزم" جديدة ستستهدف حزب الله.
بل أكثر مـــن ذلك هدد الوزير ثامر السبهان مرارا خلال الأيام السَّابِقَةُ باستخدام القوة ضد حزب الله ومن يتعاون معه، وذكـر فـــي تغريدة لـــه إنه "للجم حزب المليشيا الإرهابي يجب معاقبة مـــن يعمل ويتعاون معه سياسيا واقتصاديا وإعلاميا، والعمل الجاد على تقليمه داخليا وخارجيا ومواجهته بالقوة". وذكـر فـــي تغريدة أخرى إن "المملكة ستقطع يد مـــن يحاول المساس بها".
نذر الحرب
وقبل يوم واحد مـــن استقالة الحريري ذكــر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن تل أبيب لن تسمح لإيران بالتوسع فـــي منطقة الشرق الأوسط مهما كلف الأمر. وتـابع أن طهران تمثل في الوقت الحالي تهديدا لا لكونها فقط تسعى للسيطرة على المنطقة، بل هي أيضا عازمة على تطوير أسلحة نووية، فـــي إشارة إلى الاتفاق النووي مع القوى الست الكبرى.
وسبق هذا التهديد تصريحات عديدة إسرائيلية وأميركية تتوعد حزب الله وإيران، فـــي ظل تكثف للمؤشرات الدالة على أن غمامة حرب متعددة الأطراف قد أظلت المنطقة، وربما باتت مسألة وقـــت حسب تعبير خبراء يتابعون التطورات الْحَالِيَّةُ فـــي الإقليم.
وتأتي هذه التطورات ضمن سباق إقليمي جيوسياسي بأدوات عسكرية، دَفَعَ فـــي الجارة سوريا إلى إضعاف قوى الثورة بشكل غير مسبوق، وتحييدها عن دائرة الفعل المؤثر سياسيا وعسكريا، ووضع حدا لتنظيم الدولة الإسلامية ككيان جيوسياسي على الأقل، بعد سلسلة الخسائر الميدانية المتتالية على المستويين البشري والعسكري وفقدانه غالبية الأراضي التي سيطر عليها فـــي السنوات السابقة، التي كانت تمثل أحد أهم عوامل جذب المريدين لـــه حول العالم.
ويمكن القول إنه بعد إضعاف وتحييد قوى الثورة فـــي سوريا، وهزيمة تنظيم الدولة والمجموعات العسكرية ذات الطابع الجهادي فـــي سوريا، بدأ التركيز الإسرائيلي والأميركي يتوجه نحو إيران و"أذرعها" فـــي المنطقة وفي مقدمتها حزب الله، بحسبانها تمثل -وفق تصريح ساسة إسرائيليين وأميركيين- أهم تحد يواجه سياستها فـــي المنطقة، وتمثل "عدوا" مزعجا لبعض حلفائها التقليديين فـــي المنطقة وخصوصا الريـاض.
ورغم أن قائمة أولويات حزب الله رَأَئت تغييرا كبيرا فـــي السنوات السَّابِقَةُ بعدما انخرط فـــي الحرب السورية، وباتت بالنسبة لـــه تمثل "واجب اللحظة"، حيث تجاهل أغلب الضربات الإسرائيلية التي استهدفته، فإن تغير موازين القوى فـــي سوريا لصالح حليفه السوري بقدر ما يمثل مكسبا إستراتيجيا لـــه ولحليفته إيران، يغري الإسرائيليين به ويعجل مـــن مواجهة تقول مراكز أبحاث ودراسات إنها أصبحت حتمية ووشيكة أكثر مـــن أي وقـــت مضى.
ويمثل التقارب الْحَديثُ أوضح الريـاض وإسرائيل -وفق ما يتسرب مـــن أخبار ومعطيات- عاملا إضافيا مـــن شأنه أن يسهم فـــي تعجيل المواجهة مع إيران وحلفائها، حيث نقلت صحيفة يديعوت أحرونوت عن وزير الاستخبارات الإسرائيلي يسرائيل كاتس قوله إن بمقدور إسرائيل أن تقدم للسعودية والخليج شراكة أمنية واستخباراتية للتصدي لإيران وأتباعها، مقابل التطبيع.
ودأب الإعلام الإسرائيلي فـــي الآونة النهائية على بَيْنَ وَاِظْهَرْ ما يصفه بالتعاون الأمني غير المسبوق أوضح إسرائيل والسعودية، بل إن هذا الإعلام ذهب إلى القول إن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان زار إسرائيل سرا والتقى رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو، وهو ما نفته الريـاض بشدة.
ورغم تضافر المؤشرات المدعومة بتصريحات مـــن مسؤولين إسرائيليين وأميركيين حول المواجهة المرتقبة مع حزب الله وإيران، فإن بعض الخبراء والمحللين السياسيين لا يتوقعون حربا واسعة النطاق أوضح إسرائيل وحزب الله، ولكنهم يؤكدون فـــي الوقت ذاته أنه يجب عدم استبعاد هذا الخيار.
المصدر : مواقع إلكترونية

المصدر : جي بي سي نيوز