في عيد الأضحى.. كيف تجعل السياسة الأضحيات «بشرية» أحيانًا؟
في عيد الأضحى.. كيف تجعل السياسة الأضحيات «بشرية» أحيانًا؟

كـــان عيد الأضحى أو (عيد النحر) كَذَلِكَ عُلِيَ الْجَانِبُ الْأُخَرَ يسميه المقريزي فـــي كتابه «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» يرتبط فـــي التاريخ وفي أذهان العامة بالترف، وتفرقة الأضاحي ومد سماط العيد بالولائم، يقصدها الفقير والغني مـــن كل حدبٍ وصوب، فتمتد مظاهر الأحتفاء مـــن بعد صلاة العيد وحتى اليوم الرابع مـــن خلال تفرقة الكسوات ومواكب الخلفاء تنثر المعدن الأصـفر والفضة ابتهاجًا فـــي الطريق مـــن وإلى قصر الخلافة. لكن وعلى مر التاريخ خالفت حوادث بعينها هذا المنهج فـــي الأحتفاء بهذا العيد، فقاموا بتقديم فديتهم أضحية بشرية ارتبطت فـــي أذهان الشعوب بالتعذيب والقتل ولون الدماء، فلم يعد حينها العيد عيدًا.

ارتبطت أغلب تلك الحوادث بأسبابٍ سياسية؛ فنفذت بعض جَزَاءات الإعدام تحديدًا فـــي صباح يوم العيد، كَذَلِكَ عُلِيَ الْجَانِبُ الْأُخَرَ عوقب بعض المخالفين لنظامٍ معين بجعلهم عبرةً لمن يعتبر؛ بتعليق جثثهم فـــي صباح يوم العيد كـ«الأضاحي».

إعدام «صدام حسين» فـــي السادسة صباحًا مـــن اول يَوْمَ لعيد الأضحى 2006

لم أر أي علاماتٍ للخوف على وجهه، لم أسمع منه أي ندمٍ على فعلة اقترفها، أو حتى رجاءً فـــي رحمة الإله

هذا ما قاله مستشار الأمـــن القومي «موفق الربيعي» عن صدام حسين عقب إشرافه على تنفيذ حكم الإعدام بالرئيس السابق للعراق، فـــي السادسة مـــن صباح أول أيام عيد الأضحى 30 ديسمبر (كانون الأول) سَنَة 2006، هذا العيد الذي أصبح مقترنًا بحادثة الإعدام هذه منذ ذاك اليوم. أما عن اختيار صباح يوم العيد لتنفيذ حُكم الإعدام، فيسرد ريتشارد أنجيل وهو أحد صحفيي الحرب والذي قضى سنوات فـــي العراق فـــي كتابه «صحافة الحرب: خمس سنوات فـــي العراق» تفاصيل ليلة إعدام صدام قائلًا:

«كانت ليلة باردة، كنت قد علمتً مسبقًا مـــن منير حداد – نائب رئيس هيئة التمييز فـــي المحكمة الجنائية العليا والذي أشرف بنفسه على إعدام صدام – أن الحكومة قد أقرت أن الإعدام سوف يكون بعد النداء الأول لصلاة العيد، كـــان التوقيت مهمًا، فهو عيد يحتفل به المسلمون سنة وشيعة ويقدمون فيه الأضاحي مـــن خراف وذبائح، تيمنًا بتضحية إبراهيم بولده إسماعيل والتي عافاه منها الرب وأنزل كبشًا فداءً لـــه، فكان صدام هو الأضحية فـــي هذا العيد، مما كـــان لـــه أثر رمزي مؤلم».
أما القاضي منير حداد المسؤول عن ملف إعدام الـــرئيس السابق فيروي فـــي تليفزيوني معه تفاصيل اختيار اليوم حين تم سؤاله هل اختيارهم يوم وقفة عرفة عن قصد قائلًا: «نعم، فقد كنا نخشى أن يهرب صدام حسين وهذا الرجل وجوده على سطح الأرض يُشكل خطرًا. أما عن اختيارنا التوقيت، فقد استدعاني نوري المالكي رئيس وزراء العراق فـــي 26 ديسمبر(كانون الأول) وفي غضون ذلك فقد كــــان قد اتفق معي ســـابقًا على تنفيذ الحُكم قبل نهاية العام، فحددنا معًا اليوم دون تدخلٍ مـــن أحد».

وعند سؤاله عن تدخل الأمريكيين فـــي الحكم أو موعده أعلـن بـــأن الوجود الأمريكي فـــي المحاكمة كـــان استشاريًا فقط بلا أي تدخل فـــي تفاصيل المحاكمة ذاتها أو الحكم، واستكمل حديثه: «طلب منا الأمريكيون تأجيل تنفيذ الحكم 14 يومًا، وأبوا أن يسلموا صدام حينذاك إلا بعد مباحثات استمرت لأيام، فقمنا باستلامه ليلة تنفيذ الحكم».

أما عن تفاصيل المُحاكمة فقد قابلتها الكثير مـــن الاعتراضات؛ فقد حوكم «صدام حسين» ومساعدوه فـــي 19 أكتوبر (تشرين الأول) بـــشأن مجريات «واقعة الدجيل» التي بدأت بزيارة الـــرئيس العراقي لبلدة الدجيل الصغيرة الواقعة فـــي شمال بغداد فـــي يوليو (تموز) سَنَة 1982، حيث تعرض موكبه لإطلاق ناري كثيف ومحاولة لاغتياله، أسفرت بينما بعد عن مجزرة.

ويحكي عبد الحسين الدجيلي أحد مواطني الدجيل عن دخول قوات الجيش والحرس الخاص المدينة فـــي اليوم التالي حيث بدأت فـــي تمشيط البساتين بعد أن قصفتها الطائرات والصواريخ، وشرعت فـــي اعتقال العديد مـــن الأهالي كـــان مـــن بينهم شيوخ ونساء وأطفال، وتم إعدام الكثيرين ولم يتمكن الأهالي مـــن معرفة أماكن مقابر أبنائهم.

وعلى الرغم مـــن اعتراف المجتمع الدولي ومنظمات حقوق الإنسان بـــأن صدام حسين هو مجرم حرب بكل المقاييس لما اقترفه فـــي حق شعبه والبلدان المجاورة مـــن جرائم يجب أن يحاكم عليها أمام المحكمة الدولية إلا أن محاكمته تحت سلطة المحكمة الجنائية العليا بالعراق والتي شُكلت بعد سقوط النظام العراقي لاقت معارضات كثيرة، نظرًا لأن هيئة المحكمة والقضاة كانت لهم انتماءات دينية وسياسية غَيْر مَأْلُوفة للمتهم، حتى أن بعضهم كـــان بينه وبين المتهم خصومة شخصية.

هذا الأمر أَلْمَحَ إليه القاضي منير حداد فـــي حواره التليفزيوني إذ أعلـن أن صدام قد تسبب فـــي إعدام اثنين مـــن إخوته، وهو نفسه كـــان مـــن معتقلي نظام صدام فـــي وقـــتٍ مـــن الأوقات، هذا بالإضافة إلى إدانتهم إلى توقيت إعدامه حيث أَلْمَحَ القاضي رزكار محمد أمين رئيس محكمة صدام المُستقيل أن المُتهم يجب ألا يُعدم فـــي عيده الديني الخاص.

داعش تذبح 19 سجينًا فـــي عيد الأضحى وتعلقهم كالأضاحي

فـــي العام الفائت وفي أثناء الأحتفاء بعيد الأضحى قام تنظيم الدولة الإسلامية فـــي العراق والشام «داعش» برفع  فيديو خاص يظهر عملية قتل بشعة تم تنفيذها فـــي 19 سجينًا سوريًا تم اتهامهم بالتجسس لصالح الولايات المتحدة. صدر الفيديو فـــي صباح أول أيام عيد الأضحى 12 سبتمبر (أيلول) 2016، وأطلقوا عليه اسم «صناعة الوهم»، وتناول الفيديو تنفيذ حُكم الإعدام فـــي الشباب على طريقة ذبح الخراف، والمكان كـــان مسلخًا فـــي دير الزور بالمدينة السورية.

تم نعت الشباب بالأضاحي، كَذَلِكَ عُلِيَ الْجَانِبُ الْأُخَرَ أجبروا على ارتداء الملابس الحمراء، فـــي حين ارتدى أفراد التنظيم المُكلفين بتنفيذ الحُكم ملابس بيضاء كالجزارين، وقاموا بتجميعهم مكبلين راكعين فـــي أحد أركان المكان، قبل أن يتم تعليقهم كالأضاحي مـــن أرجلهم، وفي غضون ذلك فقد كــــان يلف «الجزار» حولهم ليختار بنصل سكينه الشخص الذي سوف يتم ذبحه لنقله بجانب فتحات تصريف المياه، ليبدأوا بالتكبير قبل البدء بالذبح: «ضحوا تقبل الله منكم، فإنّا مضحون بعملاء الصليب».

92ae0f6ead.jpg


يبدأ الفيديو بلقطاتٍ مُمنتجة لأفلامٍ شهيرة تتناول فكرة التجسس مثل «Mission: Impossible» أو (مهمة مستحيلة) لتوم كروز، متعللًا بفكرة صناعة الوهم الأمريكي، وأن الحقيقة عكس ما يظهر فـــي أفلامهم مُشيرًا إلى إخفاقهم فـــي ردع عملياتٍ إرهابية شهيرة مُستعرضًا لقطات لهجماتٍ مُسلحة سابقة للتنظيم.

تعذيب سكان مدينة كلميمة بالمغرب أول أيام عيد الأضحى

فـــي سَنَة 1981 شهد المغرب العربي موجة جفاف، وفي غضون ذلك الأمر فقد أَوْضَح حكومة المعطي بوعبيد فـــي مايو (أيار) مـــن نفس العام زِيَادَةُ أسعار السلع الغذائية الأساسية، فشهدت العاصمة الاقتصادية الدار البيضاء على إثرها احتجاجات عرفت بانتفاضة 20 يونيو (حزيران)، مما نتج عنه تطويق الدار البيضاء بالدبابات حتى تم القضاء على المظاهرات وسقط على إثرها الكثير مـــن الضحايا، وفي أكتوبر (تشرين الأول) مـــن نفس العام أَبْرَزَ الملك الحسن الثاني قرارًا نص على إلغاء الأحتفاء بعيد الأضحى، ومنع المغاربة مـــن التضحية بكبش خلال هذا اليوم.
لم يمر هذا القرار فـــي هذا الوقت بالتحديد مرور الكرام خاصةً على أهالي مدينة كلميمة المغربية، فقد استيقظ سكان المدينة المكلومة على أشخاص غَامِضون قاموا بذبح كلاب وتعليقها على المباني الرئيسية فـــي المدينة مع كتابة عبارات معترضة على قرار الملك الحسن الثاني، مما اضطر إدريس البصري (وزير الخارجية فـــي الفترة مـــن 1979 إلى 1999) إلى إعطاء أوامر صارمة للأجهزة الأمنية تفيد بتعذيب سكان مدينة كلميمة المغربية، حيث تم الإشارة للأمر على أنه عصيان لأوامر أمير المؤمنين، وتمرد على السلطة.

عرفت هذه السنوات مـــن حكم الحسن الثاني بـ«سنوات الرصاص» نظرًا لما ارتكبه مـــن تنكيل وتعذيب لمعارضيه بالمغرب العربي فكانت السجون والمعتقلات تعج بأهالي المغاربة، وصدر على إثرها بعد وفاته العديد مـــن الكتب التي تروي معاناة المعتقلين فـــي سجونه مثل كتاب «الحسن الثاني.. ديغول بن بركة (ما أعرفه عنهم)» لمؤلفة موريس بوتان، فتروي جريدة صوت الشعب المغربية تفاصيل تعذيب أهل كلميمة وتعذيبهم بالصعق الكهربي وتقطيع الأصابع والتجويع طوال أيام العيد:

«حملة الاعتقالات التي دشنتها عناصر الدرك الملكي، فـــي الساعة الواحدة ظهرًا، كَذَلِكَ عُلِيَ الْجَانِبُ الْأُخَرَ تقول الشهادات، لم تستثن أحدًا، إذ تحولت كلميمة  إلى سجن كبير. الكل مدان حتى تثبت براءته، والبراءة، بكل تأكيد لن تثبت حتى مرور عشرة أو عشرين يومًا مـــن الاعتقال والتعذيب المهين.

بدأت القصة، باعتقال الجزار الذي كـــان يعمل بـ«فم القصر» بتهمة محاولة محو آثار التعليقات التي نحتت على الجدار، والحال أن الشيخ هو الذي أوعز لـــه بفعل ذلك درءًا للفضيحة. تقول زوجة الجزار (بنحساين هدة): الذنب الوحيد الذي اقترفه الجزار هو أنه قام بمسح تلك العبارات بطريقة تلقائية، لأنه كـــان أميًا ولا يعرف أي شيء عن مضامين ما كتب على الحائط. اقتادوه بوحشية إلى مركز الدرك الملكي، وبقي هناك عشرة أيام تعرض خلالها للصعق الكهربائي».

والحقيقة أن تلك الأحداث لم تكن الوحيدة التي شهدتها المغرب العربي خلال أعياد الأضحى، فقد أُلغي العيد فـــي أكثر مـــن مناسبة أخرى كـــان بسبب الجفاف، كَذَلِكَ عُلِيَ الْجَانِبُ الْأُخَرَ تعرض جريدة الأخبار «المغربية» قائمة بالأعياد التي عاشها المغاربة حزنًا، وكيف لعبت السياسة دورها فـــي ذلك، إذ رفض المغاربة نحر الأضاحي تضامنًا مع ضحايا حرب الرمال أوضح المغرب والجزائر سَنَة 1963، كَذَلِكَ عُلِيَ الْجَانِبُ الْأُخَرَ اضطر المغاربة لأكل لحوم الأضحيات بلا خبز سَنَة 1941، حيث عرف هذا العام بعام الجوع، واضطر الأهالي لنحر الأضحيات وأكل الغداء والعشاء بالملاعق الخشبية، وهو ما رواه الباحث حسين بوجدادي فـــي كتابه آثار وانعكاسات الحرب الأهلية الإسبانية على شمال المغرب.

الجعد بن درهم.. «أضحية» خالد القسري

لم تكن تلك الحوادث التي ذكرناها ســـابقًا هي الأولى مـــن نوعها فـــي التاريخ، فحادثة قتل «الجعد بن درهم» تعد مـــن أقدم الحوادث المعروفة للتضحية بأشخاصٍ صباح يوم العيد.

خطب القائد الأموي خالد بن عبد الله القسري بواسط يوم أضحى وفي غضون ذلك فقد كــــان ممن حضره الجعد بن درهم؛ فقال خالد فـــي خطبته، الحمد لله الذي اتخذ إبراهيم خليلًا وموسى كليمًا. فقال الجعد وهو بجانب المنبر: لم يتخذ الله إبراهيم خليلًا ولا موسى كليمًا، ولكن مـــن وراء وراء -وهو ما شرحه ابن الأثير بمعنى مـــن وراء حجاب- فلما أكمل خالد خطبته ذكــر: ( أيها الناس، ضحوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مضح بالجعد بن درهم)؛ ثم نزل فذبحه فـــي أسفل المنبر. *المؤرخ ابن العماد الحنبلي

ويروى عن الجعد بن درهم أنه كـــان مـــن الجزيرة الفراتية وأن المصادر لم تذكر تاريخًا محددًا أو مكانًا لولادته ولكنه عاش فـــي القرن الأول الهجري، ولكن ما الذي دفع خالد القسري (القائد الأموي) لقتل الجعد بن درهم بتلك الطريقة يوم عيد الأضحى؟

عرف عن الجعد بن درهم «مقالة التعطيل»، وقيل أنه أول مـــن أَنْكَرَ عن الله صفاته، فنفى أن يكون الله كليمًا كلم موسى، أو خليلًا اتخذ إبراهيم خلًا. تأثر مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية بفكر الجعد بن درهم حتى أنه لُقب بـ«مروان الجعدي»، مما دَفَعَ إلى انتشار فكر «بن درهم» فـــي الجزيرة الفراتية، وانتقل الجعد بعدها إلى دمشق عاصمة الخلافة، وسعى لنشر فكره بها، فنشأت المناظرات بينه وبين العلماء؛ مما كـــان لها أثرها العكسي عليه، حيث غضب منه العلماء ورفعوا أمره لخليفة المسلمين «هشام بن عبد الملك»، فطالب بالقبض عليه.

يقول بن كثير: «وأما الجعد فإنه أَنْشَأَ بدمشق حتى أظهر القول بخلق القرآن، فتطلبه بني أمية فهرب منهم، فسكن الكوفة، فلقيه فيها الجهم بن صفوان، فتقلد هذا القول منه». ويروي ابن الأثير عن كيفية القبض عليه وقتله، أنه اتهم بالزندقة، ووعظه ميمون بن مهران، فأبى أن يستمع إليه، فشهد عليه ميمون عند الخليفة هشام، فطالب برقبته وظفر به وسيره إلى خالد القسري ليتولى أمر قتله، وبعد انتهاء الخالد القسري مـــن خطبة أول أيام عيد الأضحى، نزل خالد عن منبره وذبحه بالسكين ذبحًا.

المصدر : ساسة بوست