خواطر عن نظرية الدولة في الإسلام 
خواطر عن نظرية الدولة في الإسلام 

ما مدى أهمية إرساء دولة وفق نموذج مرسوم فـــي الإسلام؟ وإذا افترضنا أن هذا الرهان يكتسي بالغ الأهمية مُسْتَحْكَم المدونة الإسلامية، يجدر بالسائل الانتقال إلى اللحظة التالية مـــن مساره الاستشكالي؛ أية ملامح تسم هذا الكيان المنشود؟ ما شكل الدولة التي يريد الله إقامتَها على الأرض، فيتحتم علينا الامتثال لأوامره مـــن خلال السعي الدؤوب لإقامتها خوفًا مـــن مغبة عصيانه؟

إزاء السؤال الأول، وإليكَ صياغة ثانية لـــه (هل فـــي الإسلام نظرية سياسية ولو غير متكاملة الأركان؟) ينقسم المهتمون مـــن رجال دين وأصحاب العقول الناضجة وساسة ورجال مقهى – على اختلاف مشاربهم وألوانهم – إلى فسطاطين: أما أولهما فيجيب عن السؤال بالإيجاب معتبرًا أن البعد السياسي جزء لا يتجزأ مـــن فحوى رسالة السَّماء إلى الأرض، رسالة تواضعنا على تسميتها الدِّين، وتبعًا لذلك فلا مندوحة مـــن طاعة الأوامر الإلهية ذات المنحى السياسي.

 وأما الثاني فيقول بهامشية الدولة فـــي الإسلام لتعارضها مع جوهر الدين عموما والإسلام خصوصًا،جوهر ينطوي على رسم طريق الخلاص الفردي بعيدًا عن إدارة شؤون الناس فـــي واقع مطبوع بالتغيّر المستمر، فالأمر – كَذَلِكَ عُلِيَ الْجَانِبُ الْأُخَرَ رأيتَ – متعلق بوظيفة الدِّين، هل هي مقتصرة على الجانب الأخلاقي التزكوي، أم هي مكتَنَفة بالشمول والعموم بحيث لا يخلو مجال مـــن الرزوح تحت وطأتِها.

هذا الانقسام لم يبق فاقدًا للآثار والنتائج، بل قد لا نبالغ إذا نحن اعتبرناه سببًا أولًا ومباشرًا ورئيسًا فـــي جل الأزمات والحروب والنزاعات الحاصلة منذ إسدال الستار على مسرحية الاتصال أوضح المعبود والعابد (الفتنة الكبرى، هشام جعيط)، أعني ختم النبوة سنة اثنتين وثلاثين وستمائة للميلاد (العالمية الإسلامية الثانية، أبو القاسم حاج حمد: ختم النبوة إيبستيمية مولد العقل العلمي الجديـد).

 ووجه الصلة أوضح إشكالية منزلة الدولة فـــي الإسلام مـــن جهة وبين حال الاحتراب الذي خيّم على المنطقة التي ظهر فيها هذا التجّلي الأخير مـــن الدِّين، كامن فـــي الصبغة المقدّسة للحرب التي قد تأخذ أشكال مسميات عدة (إِفْتَتَحَ، غزو، تمكّن، تمكين، خروج) وهي حال ليست حكرًا على التجربة الإسلامية بالمعنى الضيّق للعبارة، فالداء عابر للأديان.

تنقسم حجج الفريق الأول إلى قسم نصي (نقلي) وآخر واقعي، يتمثل الأول فـــي الآيات القرآنية وخاصة منها تلك التي تتعلق بالحاكمية (ومن لم يحكم …) وكثير مـــن الأحاديث النبوية، ويتعلق الثاني بالتجربة المحمدية كَذَلِكَ عُلِيَ الْجَانِبُ الْأُخَرَ أنبأت بها فترة الدعوة بطولها (عشر سنوات). وهي إِخْتِبَار متميزة بازدواجية المقامات المحمدية (الشاطبي، الموافقات : ولي الله الدهلوي، حجة الله البالغة: محمد الطاهر بن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية)، فحسب هذه السردية، تجتمع فـــي محمد صفتان متلازمتان: سِمَة مؤسس الديانة وصفة قائد كيان فـــي ذات الآن. (والرأي عندي أنه – صلى الله عليه وسلم ليس مؤسسًا لدين بل خاتمًا لـــه ولبنة متممة لبناء أعلـن حنيفيّ مشيد، كَذَلِكَ عُلِيَ الْجَانِبُ الْأُخَرَ أنه ليس زعيمًا سياسيًا، ولا ينبغي لـــه أن يكون، إنما هو مبلّغ فقط، كذلكم أَلْمَحَ القرآن: الشورى 48 + النور 54 +المائدة 99 + الكهف 56 + الأنعام 48) . ومن يتنكر لواحدة – برأي هذا الفريق – كفر بالثانية، وأنكر معلومًا مـــن الدين بالضرورة، وهو تعميم فاسد وتوسل للاستقراء باطل، ذلك أنه لا مانع مـــن تصور للدين يختزله فـــي الثوابت مُقصيًا منه المتغيّرات.

ونعني بالثوابت هنا تلك المبادئ التي لا يؤثر فيها تقلب الأيام، وتداول الدهور، وتبدّل الأحوال، لا بالإنقاص المفرِط ولا بالزيادة المفرِّطة،  كالتوحيد، والطاعة، والرحمة، والمساواة، والإخاء والتسامح.

ونقصد بالمتغيّرات – هنا أيضًا – تلك المسائل التي لا يمكن اجتثاثها مـــن إطارها التاريخي والتغاضي عن العامل الزماني عند تمثّلها، على غرار الوضع الاقتصادي فـــي مستوييه الفردي والجماعي، وطبيعة البناء الأسري، وكيفية إدارة الحكومة للضريبة.

على أننا لا نرى أية تنافر أوضح أنصار الطرح الأول ودعاة الرؤية الثانية، غضونًا كَذَلِكَ عُلِيَ الْجَانِبُ الْأُخَرَ نربأ بأنفسنا عن الانجرار وراء التخندقات إلى كلا الطائفتين، والانسياق وراء حملات الحشد الاستقطابية والمحاطة بالأيديولوجيا، مـــن أوضح يديها ومن خلفها، والسقوط فـــي متاهات التصنيف العِدائية والمتوسِّلة لأحكام القيمة والحكم على النوايا، حيث يمسي الفريق الثاني فـــي نظر الفريق الأول علماني مُقَاتِل لله ورسوله، ويستحيل الفريق الأول فـــي أعين خصمه رجعيًا متخلفًا.

 وحُقّ لنا أن لا نرى هذا التنافر، والعلاقة أوضح المرجعيتين تضايفية لا تنافرية، فليس فـــي الدعوة إلى دولة على المنوال الجديـد قوامها السيادة والعدل والمساواة والحرية مسًّا بالدِّين، الدين الذي يخرج عن مشمولاته مـــن حيث الماهية والوظيفة، التنظيم الدقيق والتسيير التفصيلي لمشاغل البشر الحادثة والمتطورة بتطور الأنماط الاجتماعية، إنما ينصهر فـــي صميم الوظيف الديني إرساء المبادئ العامة والفواضل العالية (علال الفاسي، مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها) والقيم السامية التي ينبغي على العابد مراعاتها والاستهداء بهداها فـــي سلوكه الفردي والاجتماعي والسياسي، كالحقّ، والفضيلة، والعدالة، والمساواة، والحرية، والديمقراطية، والصدق، والحبّ والرحمة.

ومن جهة أخرى – والمقال القصير يشارف على النهاية – أجدني مقترحًا حلًا كفيلًا بمدّ جسر وئامي أوضح الفصيلين، مـــن أجل وضع حدّ لواقع مضطرب أفرزه فكر مضطرب، يقوم هذا الحلّ على نزع الألف واللام مـــن عبارة الإسلام الواردة بالعنوان أعلاه، ثم نلج إلى الفكر الإنساني فنجرده مِنْ ناحيتة مـــن الألف واللام التي تؤشر على احتكار حقيقة مطلَقة، مطلِّقة لشرطها الإنساني، فـــي تجاهل تام لمحدودية الفكر والعلم البشريين وتنكر ملفت للاحتكار الإلهي للعلم الكلّي (النحل 74). فلا نجد بَرَزَ مـــن التمييز أوضح الدين فـــي جوهره والدين فـــي تمثلاته، وهكذا سيشكل لنا هذا التحلي بالحسّ التفويضي ثورة معرفية عظمى وتحول فكري مفصليّ، كيف لا وقد أدبر – بفعل هذه الثورة – زمن الفتوى وحلّ زمن الرأي، وولى زمن حكم المسألة الكذَائية، مفسحًا الطريق إلى زمن اجتهاد فقهيّ كذائي.

المصدر : ساسة بوست