بالصوت والـــصورة جديد بالمغرب.. الكاميرات تفضح عنف الشارع و”شرع” اليد!
بالصوت والـــصورة جديد بالمغرب.. الكاميرات تفضح عنف الشارع و”شرع” اليد!

لقطات مـــن الفيديوليس العنف أمرا جديدا فـــي العالم، لكن ثورة الهواتف المحمولة باتت تفضح ما يجري. آخر الأمثلة مـــن المغرب الذي يعيش غليانا بعد اعتداء أشخاص على شابة بمبرّرات "دينية"، فـــي أسلوب يؤكد استمرار ثقافة "شرع اليد" أو "قانون الغاب".الغضب ولا شيء غيره هو ما يستحوذ جلّ المنشورات فـــي مواقع سوشيال ميديا بالمغرب. السبب فيديو صادم يوّثق لاعتداء مجموعة مـــن الأشخاص على شابة ورجل كانا فـــي سيارة بإحدى القرى وسط المغرب. الأشخاص اتهموا الشابة والرجل بالاختلاء ببعضهما فـــي نهار رمضان، بينما الحقيقة أن الشابة هي طالبة فـــي الجيولوجيا، كانت بصدد إنجاز بحث ميداني، واستأجرت سائقا بسيارته حتى يقلّها إلى المناطق التي تريد دراستها، وقد حاولت الشابة والسائق توضيح هذا الأمر للمجموعة، غير أن أفرادها لم يرأفوا بحالهما.

ليست المرة الأولى بالمغرب التي تنتشر فيها مثل هذه المقاطع التي تفضح ما يجري مـــن عنف أوضح المواطنين، فقبل أيام قليلة، قدمت المديرية العامة للأمن المغرب اعتذارها لسائق دراجة ثلاثية العجلات، بعدما أظهر فيديو كيف قام ضابط بإهانة السائق وصفعه فـــي الشارع العام. وفي الأسبوع ذاته، اعتُقل أستاذ إثر شكاية مـــن أسرة تلميذة، بعد ضجة خلفها فيديو يظهره وهو يصفعها بشدة داخل القسم (أُفرج عنه لاحقا)، وقبل أشهر، اعتقل شاب ظهر فـــي فيديو وهو يعتدي جنسياً على تلميذة فـــي الشارع العام، كَذَلِكَ عُلِيَ الْجَانِبُ الْأُخَرَ وثق فيديو آخر لاعتداء تلميذ على أستاذه لخال الفصل.

ليس المغرب وحده!

تتكرّر المشاهد الصادمة للعنف فـــي أكثر مـــن بلد عربي، رغم أن ما يوثقه الفيديو يبقى أقلّ بكثير ممّا يجري فـــي الواقع بشهادة المتتبعين. قبل أسابيع صُدم الرأي العام التونسي فـــي فيديو ملتقط سراً يبيّن كيف يقوم معلمون بتعنيف أطفال مصابين بالتوّحد وإساءة معاملتهم. العنف لا يستثني حتى الأهل، جدة تونسية فـــي واقعة أخرى تظهر وهي تضرب بشكل شديد حفيدها وتكويه بالنار، ممّا دَفَعَ إلى إيقافها.

وفي الخليج، لا يزال السعوديون يتذكرون وسم #أنقذوا_معنفة_أبها الذي انتشر فـــي أبريل/نيسان الماضي، مـــن خلال فيديو يُسمع فيه صراخ مؤلم لسيدة تتعرّض للعنف مـــن لدن زوجها، وقد صـرحت الســـلطات عن توصلها إلى الضحية. كَذَلِكَ عُلِيَ الْجَانِبُ الْأُخَرَ يتذكر المصريون الفيديو المنتشر نهاية 2017، وكيف وثَّق لاعتداء مواطن كويتي على عامل مصري فـــي محل تجاري بالعاصمة الكويت، ما دَفَعَ إلى تدخل السفارة المصرية والسلطات الكويتية.

الثورة التكنولوجية تفضح

إن كـــان العنف فـــي الحياة اليومية أمراً منتشراً فـــي الكثير مـــن المناطق من خلال العالم، ومنها دول متقدمة كالولايات المتحدة، فإنه فـــي المنطقة العربية أضحى واقعا يتعايش معه الناس ولا يثير النقاش إلّا عندما يتعلّق الأمر باعتداءات صادمة أو تم توثيقه بمقاطع فيديو. التقدم التكنولوجي الذي أتاح للجميع التقاط الفيديو مكّن مـــن فضح الكثير مـــن الممارسات التي يحفل بها الشارع العربي وعرّى عن ظاهرة تحدث بشكل دائم. فلو ظهرت الهواتف الذكية قبل عقود لحفُل الانترنت بالكثير مـــن مقاطع العنف الذي يؤشر لخلل مجتمعي تتعدّد أسبابه.

ويعود الفضل فـــي توثيق هذه المشاهد فـــي الغالب لما يعرف بـ"صحافة المواطن" التي أنهت العلاقة القديمة أوضح الإعلام المهني والجمهور باعتبار الأول الوسيط الوحيد للمعلومة، فهذه الصحافة الهاوية لا تكتفي فقط بالتقاط الفيديوهات، بل تعرضها فـــي مواقع سوشيال ميديا وتخلق نقاشاً حولها يزيد مـــن رفع منسوب الوعي. ولا تقوم الصحافة المحترفة سوى بتغطية أهم ما جاء فـــي الفيديو ومحاولة البحث عن جوانب أخرى مـــن القضية.

كَذَلِكَ عُلِيَ الْجَانِبُ الْأُخَرَ باتت هذه الفيديوهات تشكّل رادعاً جديداً لمن يقترف اعتداءات جسدية بحق الآخرين فـــي الأماكن العمومية، إذ بات أن هناك اقتناعاً بـــأن كلّ ما يجري فـــي الشارع العام يمكن توثيقه ونشره. ولولا هذه الفيديوهات ما جرت متابعة العديد مـــن مقترفي العنف، إذ إن نشرها يخلق الكثير مـــن الضغط على الســـلطات الأمنية التي تسابق الزمن لإعلان توقيف المتوّرطين، خاصة مع ضعف التبليغ مـــن قبل الضحايا. لكن أكبر سلبيات هذه الفيديوهات أنها لا تحترم فـــي الأغلب الكثير مـــن الجوانب الأخلاقية، ومن ذلك عرض هويات الضحايا ومعطياتهم الشخصية وأحيانا كتـب مـــعلومات غير صحيحة.

الأسباب تتعدد

بعض حالات العنف تنتمي لما يُعرف بـ"قضاء الشارع" فـــي المغرب، حيث يحاول الكثير مـــن الناس تغيير ما يرونه "منكراً" بأياديهم، وهو ما وثقه أكثر مـــن فيديو، ،مـــن ذلك حالة الضرب المبرح لرجل متهم بالسرقة فـــي سوق شعبي بمدينة ميدلت مـــن قبل مواطنين انهالوا عليه بالحجارة، وهو تقليد متبع فـــي أكثر مـــن منطقة مغربية، لـــه جذور تعود إلى عهد "السيبة"، أي الفترة التي لم تكن فيها الدولة قادرة على بسط قوانينها، حيث لا يتم التسامح مع اللصوص، رغم التحذيرات الأمنية الشديدة التي تؤكد على تجريم إِتْمام "شرع اليد".

لكن حوادث العنف هذه تكتسي أحيانا طابع اعتداءات على الحريات الشخصية، مثل واقعة اقتحام أشخاص لسكن خاص ضواحي مدينة بني ملال وتعنيفهم لشابين مثليين بدعوى ممارستهما الجنس. وفي أحيان أخرى، من خلال مهاجمة رجل وإمرأة لمجرد أنهما يركبان سيارة معا، مثل حالة الشابة التي بَيْنَ وَاِظْهَرْ أحدث فيديو بالمغرب، كيف تم تعنيفها بشكل وحشي.

"العنف حاضر فـــي كل البيوت العربية سواء لفظيا أو معنويا أو جسديا، وجذوره تبدأ مـــن التربية إذ يتعود الطفل على أن العنف أمر عادي". يقول جواد مبروكي، طبيب نفسي لـDW عربية، متحدثا عن أن العنف ينتقل مـــن أفراد الأسرة والعائلة الواحدة ما أوضح الجيران ثم الشوارع ويكون أحيانا أوضح مجموعات كمشجعي بعض النوادي أو عنفا فكريا أو عقديا. ويتابع مبروكي أن هناك إدمان على العنف فـــي المنطقة لدرجة أن "تحقيق الإنسان العربي لذاته يرتكز على العنف، سواء كضحية أو كجاني".

لكن عبد الإله الخضري، رئيس المركز المغربي لحقوق الإنسان، لا يفصل العنف عن الحاضر السياسي فـــي المنطقة العربية، إذ يقول لـDW عربية، "يستمد العنف جذوره مـــن التاريخ المليء بالظلم والجور والقهر والاستبداد، والصراع المستمر على الحكم". ويوّضح الخضري أن فئات عريضة فـــي المجتمعات العربية وجدت نفسها ضحية احتكار الثروة، فجسدت تذمرها فـــي ممارسة العنف. وما زكى الظاهرة وفق قوله انتشار "ظاهرة الافلات مـــن العقاب، والانتقائية فـــي تنفيذ القانون، وغياب العدل".

الكاتب: إسماعيل عزام

المصدر : وكالة أنباء أونا