رمضان.. شهر انتعاش عمالة الأطفال في الجزائر
رمضان.. شهر انتعاش عمالة الأطفال في الجزائر

44054120_303.jpgظاهرة ليست بنت اليوم ولا البارحة، غير أنها تزدهر بشكل ملحوظ فـــي الشهر الفضيل. DW عربية تسلط الضوء مـــن عين المكان على أطفال بعمر الزهور قذفتهم الدنيا وبعض الأهل مـــن المدرسة إلى معمعة تحمل فـــي طياتها أخطاراً وسلبيات لا تحصى.بمدخل سوق الخضار فـــي حي "باش جراح" الشعبي بالجزائر العاصمة، يرتفع صوت الطفل "علي" (15 عاماً) وهو يروج للبقدونس. ما أن توجهنا صوبه حتى ضاعف مـــن معزوفته "بقدونس..بقدونس بأسعار مدهشة"، اعتقاداً منه أننا سنشتري منه بعض ما يعرضه.

تلعثم "علي" حين علم أننا مـــن قطاع الإعلام، وأعتقد أن الأمر متعلق بمعاينة صحفية لوضع السوق فـــي رمضان، ثم أعلـن: "آه..حتماً أنتم تبحثون عن زِيَادَةُ أسعار الخضار، كل شيء غلا ثمنه، إلاّ هذه البقدونس..". يسترسل "علي" فـــي الجديـد مع DW عربية عن ماضيه القريب، فيقول: "تركت الدراسة منذ 2016 وأنا اليوم نادم وكلي يقين أنّ حياة شاقة تنتظرني لأحقق الثراء الذي أبحث عنه".

يبرز الفتى البشوش كيف أن والدته حاولت ثنيه وبكل الطرق عن مقاطعته الدراسة، وسعت جاهدةً لإعادتة إلى حجرات الدرس، لكنها يئست وقبلت بالأمر الواقع. وهو يُعيد دنانير متبقية لأحد الزبائن، يقول: "فـــي شهر رمضان تزداد مبيعاتي وهو فرصة لكسب بعض المال الإضافي".

عصفورين بحجر واحد

"التجربة" التي اكتسبها "علي" فـــي سوق الخضار، جعلته يعثر لطفلين آخرين وهما "خالد" و"هشام" على فرصتي عمل بالسوق، وهنا يوضح "خالد" (11 عاماً) لــDW عربية بقوله: "أشتغل كل يوم جمعة وسبت ببيع البقدونس والنعناع وغيرها لأستطيع الاستمرار فـــي الدراسة، إضافة إلى اقتناء بعض الأغراض يرفض والدي شراءها لي".

ويقاطعه زميله "هشام" بقوله: "حقيقة عملنا شاق جدّاً، وحتى واجباتي المدرسية، أتخلى عليها بسبب الإرهاق، لكن مـــن حظنا أن الموسم التعليمي على وشك الانتهاء، وذاك يتزامن مع يومياتنا الرمضانية".

بالنسبة، لــ "عامر" (اسم مستعار) مالك المحل، فإن تشغيل الطفل "علي" ورفاقه شبيه بمن يصطاد عصفورين بحجر واحد، مثلما يوضح لــ DW عربية: "تشغيل بائعين صغار السن يجلب الزبائن تعاطفاً معهم، كَذَلِكَ عُلِيَ الْجَانِبُ الْأُخَرَ أنه يعد فرصة لتقدم مساعدات لهؤلاء الأطفال وإنقاذهم مـــن الانحراف والوقوع فـــي شباك عصابات، تستغلهم لتحقيق أهداف غير قانونية".

وفي خضم تبريراته يزعم عامر أن "تشغيل هؤلاء الأطفال ليس جريمة كَذَلِكَ عُلِيَ الْجَانِبُ الْأُخَرَ يحاول تصويرها البعض، بالعكس ما أقوم به عمل خيري بمساعدة عائلات فقيرة".

صغار بأحلام كبيرة

يقول التلميذ "موسى" باتو (12 عاماً)، ابن بلدة حمام ملوان بضاحية البليدة (47 كم جنوب العاصمة الجزائر)، فـــي حديثه لــDW عربية: "أقصد كل صباح الحقول الزراعية المجاورة لسكنِنا بالمنطقة، لشراء النعناع والبقدونس المطلوبين بقوة فـــي شهر رمضان وبيعهما على قارعة طريق بلدتي حمام ملوان طوال النهار".

ويتابع: "بعد الانتهاء مـــن الامتحانات فـــي الصف، لا خيار لي سوى العمل فـــي رمضان لإعالة عائلتي فـــي مصاريف شهر رمضان وحتى شراء مقتنيات العيد".

وبكثير مـــن الأحلام، يطمح "موسى" فـــي أن يصير مُعلّماً لأنها مهنة نبيلة ومعلمي "شريف" يشدني إليها بطيبته ومساعدته لنا.

يقطع الفتى الجديـد إلينا معتذراً، ويتوجه أتجاه صاحب مركبة وصلت لتوها إلى المكان، ليعرض عليه حزم البقدونس والنعناع، كـــان "موسى" يُزاحم ثلاثة رفاق لـــه ويحاول كل منهم إقناع الزبون بجودة المنتوج وثمن البضاعة.

نلحظ بالمكان "سامية" (14 عاماً) وهي ترتدي ثيابًا بالية، تحاول المعنية تقليد زملائها الباعة الصغار، نقترب منها لكنها ترفض فـــي البدء الجديـد معنا.. تشترط علينا عدم تصويرها.

وحين اقتنعت بأننا لن نصورها، استرسلت فـــي الجديـد إلينا: "أنا أبيع الخبز التقليدي لمساعدة أمي فـــي مصاريف البيت كون والدي مريض ومقعد.. وأنا أكبر إخوتي الثلاثة". وتتابع لـDW عربية: "أدخر بعض المال لسد حاجياتي المدرسية خلال الموسم القادم" ثم تذكر مرض والدها الذي نجا بأعجوبة مـــن حادث سير، وتقول إنه "كـــان لا يحب أن نشتغل مثل أبناء البلدة، غير أن مرضه جعلني أرافق أبناء الحي فـــي بيع الخبز والبقدونس والنعناع".

وعن دراستها توضح: "نحن فـــي فترة امتحانات، أما فـــي الموسم كله كنت اضطر إلى التغيّب فـــي فترات مسائية مـــن أجل العمل لكني لن أفرط فـــي مستقبلي الدراسي، خاصة وأن والدي يوصيني دائما بالتعليم، لأنه سيُؤمّن مستقبلي كَذَلِكَ عُلِيَ الْجَانِبُ الْأُخَرَ أمّن مستقبل الكثيرين".

أرقام مخيفة

فـــي الجزائر تشتغل الشبكة المدنية للدفاع عن حقوق الطفل "ندى" بالتنسيق مع وزارة التضامن، بـــشأن إعداد مخطط يتعلق بمكافحة عمالة الأطفال والتسوّل. ومن المأمول أن يقدم البرنامج المشترك حلولاً لظاهرة تشغيل الأطفال فـــي المجتمع الجزائري.

وأكد رئيس شبكة "ندى"، عبد الرحمان عرعار، فـــي حديث مع DW عربية أن أرقام استغلال الأطفال فـــي مجال الشغل بالجزائر، وصلت خلال العام المنصرم 4.890 طفلاً تتراوح أعمارهم ما أوضح الـ 10 سنوات والـ16 سنة، وقعوا ضحايا سوء معاملة وقضايا تخص عمالة الأطفال، مشيراً إلى أن الظاهرة أصبحت تأخذ أبعاداً مخيفة.

وتبيّن دراسة حديثة أعدتها الشبكة على مستوى 5 ضواحٍ كبرى بالجزائر، أن 13.2 بالمئة مـــن الأطفال العاملين فـــي الجزائر تتراوح أعمارهم أوضح 6 و10 سنوات. وتشير الدراسة إلى أن نسبة العمالة وسط الأطفال الذين تتراوح أعمارهم أوضح 11 إلى 14 سنة تصل حتى 31.2 بالمئة، لكن هذه النسبة ترتفع إلى غاية الـ 55.6 بالمئة لدى الأطفال الذين يتراوح عمرهم أوضح 15 و18 سنة. وتوضح الدراسة ذاتها أن 77 بالمئة مـــن الأطفال العاملين مـــن الذكور.

القانون صارم ولكن..

وحذّر عرعار العائلات التي ترسل أبنائها إلى الشغل خلال رمضان والعطل الصيفية، مـــن مختلف المخاطر التي تحدق ببراعمهم. وعن الحماية القانونية، تابع عرعار أن التشريع الجزائري صارم فـــي قضايا الطفولة، وأن المشكل يكمن فـــي التطبيق الميداني، وشدد على ضرورة مراجعة التنسيق أوضح مختلف الأطراف الفاعلة والجهات المعنية بخصوص الإجراءات المتخذة فـــي التصدي لظاهرة عمالة الأطفال.

ودعا الناشط الحقوقي ذاته إلى "الردع دون إهمال دور الوقاية فـــي توعية المجتمع بخطورة العنف ضد الأطفال وضرورة مكافحته."

"مخاطر جمة"

وبدورها، حذّرت الأخصائية الاجتماعية، أمينة حريش، مـــن تنامي الاعتداءات على الأطفال الذين يشتغلون فـــي الشهر الفضيل والعطلة الصيفية، مرجعة استفحال هذه الظاهرة إلى غياب الوعي لدى الأسر وحرمانها الأطفال حقهم فـــي الذهاب إلى المدرسة وعيش مراحل الطفولة، وأَبَانَت عن أسفها لوجود أسر جزائرية هدفها التحصيل المادي على حساب أبنائها.

وقالت المتحدثة لــ DW عربية إن "بعض العائلات تجبر أبناءها على بيع الخبز فـــي الطرقات أو بيع ما تحتاجه الأسرة فـــي رمضان متجاهلين بذلك خطورة الوضع على صحة الأطفال، ومدى تعرضهم لمخاطر الطرقات وأشعة الشمس." وأضافت "أن التأثير السلبي على شخصية الطفل واضح، مـــن خلال احتكاكه بأشخاص غرباء يكبرونه سناً مما يجعله عرضه لاكتساب سِمَات وسلوكيات خطيرة."

ودقّت ناقوس الخطر للحد مـــن الظاهرة، داعيةً إلى "التوعية والرجوع إلى العائلة التقليدية، التي كانت تسعى لزرع القيم وتربية الأبناء والتواصل معهم أكثر مـــن السعي فقط لتلبية الحاجيات المادية مـــن ضروريات وكماليات".

سمير بوترعة- الجزائر

المصدر : وكالة أنباء أونا