حصري: من قلب ويلفا الإسبانية.. عاملات فراولة مغربيات يكسرن جدار الصمت
حصري: من قلب ويلفا الإسبانية.. عاملات فراولة مغربيات يكسرن جدار الصمت

44252962_303.jpgعندما تختلط الوقائع بتناقض الروايات، يكون لزاماً محاولة البحث عن الحقيقة أو جزء منها. DW عربية انتقلت إلى ويلفا بإسبانيا، لأجل أن تستمع لعدد مـــن عاملات الفراولة المغربيات، اللائي لاحقتهن ضجة واسعة حول الاعتداءات الجنسية.بمجرّد ما تعلن عن هويتك الصحفية، حتى يتجمعن حولك برغبة نفض قليل ممّا فـــي قلوبهن مـــن محن. نساء مغربيات دفعهن شظف العيش إلى ركوب مغامرة العمل فـــي ضيعات جنوب إسبانيا، فـــي إطـــار أجتمـع عمل مؤقت لا يتجاوز ثلاثة أو أربعة أشهر. لكنهن لم يصطدمن هذا العام بظروف عمل، الكثير منهن خبرن تضاريس صعوبته ومنعرجات مشقاته، بل بما اعتبرنها شائعات جنسية أساءت لهن كثيرا، وأضحت لعنةً قد تهدّد تلك اليوروهات التي لأجلها، تتقوّس ظهورهن لساعات جنياً للفواكه الحمراء، أهمها الفراولة.

منذ سنوات، ركّز كبار الفلاحين فـــي إقليم ويلفا الاسباني على المغربيات لأجل عمل نادراً ما تختاره بنات البلد. كـــان سَنَة 2018 مـــن الأكبر فـــي استقطاب العاملات إذ وصلت إلى إسبانيا حوالي 11 ألف مغربية. بأجر صافٍ محدد فـــي 37 يورو يومياً لسبع ساعات ونصف مـــن العمل، وبشروط صارمة تجعل اختيار العاملات حكراَ فـــي الغالب على مـــن لهن أبناء، حتى لا يقرّرن الاستمرار سراً فـــي إسبانيا، يرى ملاك الأراضي فـــي المغربيات والمغاربة عموما، يداً عاملةً نشيطة تقبل ظروف عمل لا يقبلها الإسبان، وأكثر مـــن ذلك.. تقبل تعويضاً عن ساعة العمل، يعدّ مـــن أوضح الأضعف فـــي البلد.

يوم اثنين هادئ فـــي بلدة موغر، التي تبعد بـ20 كيلمتراً عن ويلفا. وصلنا إليها فـــي آخر أيام شهر رمضان. حركة ضعيفة فـــي الشوارع إلّا مـــن بعض الضجة فـــي أزقة بمركز البلدة. أكثر ما تواجة به هنا خلال هذه الفترة مـــن العام هو العاملات المغربيات. لا تخطئهن العين، بلباس رث يحمل ألواناً تتعدد مـــن غطاء الرأس إلى أحذيتهن البسيطة، بطرابشيهن الرخيصة التي تقيهن أشعة شمس حارقة فـــي الضيعات، تقف عشرات العاملات أمام وكالة بنكية فـــي البلدة لأجل الحصول على أجورهن.

ما هي حقيقة الاعتداءات الجنسية فـــي حقول الفراولة؟

انطلقت الصحافة الاسبانية التي تطرّقت لموضوع الاعتداءات الجنسية مـــن فيديو نشرته إلباييس تحدثت فيه عاملتان مغربيتان، عن محاولة اغتصابهما، ومن تحقيق الشرطة مع قَائِد فـــي المزارع ملاحق بتهم التحرش، فضلاً عن تحقيق نشره موقع correctiv وردت فيه شهادة لعاملة تتحدث عن اغتصابها مـــن لدن مسؤولها المباشر.

لكن الجواب الذي توحدت فيه أكثر مـــن 20 امرأة التقت بهن DW أمام الـــوكالة البنكية، رداً على هذا السؤال، هو النفي القاطع: "هذه إشاعات. الكثير منا متزوجات وهذا الكذب يسبّب ضرراً لعائلاتهن". كررنا السؤال ذاته عندما زرنا مجموعة مـــن مساكن العاملات المحاذية للضيعات، وكذلك عندما انتقلنا إلى بلدة ألمونتي، وحصلنا على الجواب ذاته، جميع العاملات مقتنعات أن قصص التحرش والابتزاز الجنسي الذي تناقلتها عدد مـــن وسائل الإعلام ليست حقيقية! مترجمة مغربية تعمل فـــي الحقول منذ مدة، أكدت لنا أن الشكاوى وقعت فـــي مسكن معين، وأرشدتنا إلى مكانه، لكن اكتشفنا أن صاحبات الشكاوى رحلن أو رُحلن إلى المغرب!

التنقل إلى مساكن العاملات عملية غير بسيطة، فلا وجود لنقل عمومي يوصلك إليها. وحدهم "الخطافة المغاربة" أي ممتهنو النقل السري، مـــن ينقلونك هناك بمقابل. الطرق فـــي صَوَّبَ الضيعات معبدة، لكنها تعاني غياب الإنارة الليلية فـــي جلّها. لمّا تصل إلى المساكن، تكتشف أن جودتها تختلف مـــن مجموعة لأخرى، إذ تضم كل مجموعة عدداً مـــن البيوت الخشبية، بعضها مخصص للعاملات، وبعضها للعمال، وبعض منها مختلطة لكنها تضم أسرا بأكملها. تتعدد الجنسيات هنا، فهناك رومان وأفارقة مـــن جنوب الصحراء، لكن يظهر واضحاً أن المغاربة هم الأكثر حضوراً. كل بيت مكون مـــن ثلاث أو أربع غرف، وفي كل #مقصورة يبيت ثلاثة أو أربعة أفراد، كَذَلِكَ عُلِيَ الْجَانِبُ الْأُخَرَ توجد غرف منفصلة حصل عليها بعض الأزواج.

بضعة عاملات تحدثنا إليهن صرحن أن قصص الجنس فـــي أغلبها علاقات رضائية أوضح بعض العاملات وبعض العمال أو رؤسائهم المباشرين، وأنه يندر تماماً أن يربط إسباني علاقة جنسية مع وافدة مغربية نظراً لتخوّفه مـــن العقاب. السعدية، سيدة مغربية تشتغل فـــي الحقول الاسبانية منذ 12 سنة، تقول إن قصص الجنس لم تنتشر إلّا هذا العام، بسبب "قدوم بعض العاملات الصغيرات فـــي السن، وجدن الحرية وغياب المراقـــبة، منهن مـــن تبحث عن كسب المال بأيّ طريقة، ومنهن مـــن تبحث عن البقاء فـــي إسبانيا وتتذرع فـــي ذلك بوقوعها ضحية اعتداء جنسي!" كلامها كررته أكثر مـــن عاملة، إذ حملن مسؤولية ما اعتبرنها إشاعات إلى الوافدات الجديدات اللائي "أسأن إلى المغربيات بتصرّفاتهن" حسب الأقوال.

سمعنا ولم نر!

أمام كل هذا النفي، قررنا التوجه بالسؤال لبعض العمال المغاربة. يوسف، جندي مغربي متقاعد، يأتي للعمل كل سَنَة فـــي حقول إسبانيا رفقة زوجته، يؤكد أن الاعتداءات الجنسية موجودة، وأن جلّ مـــن يتعرّضن لها يخجلن مـــن الإفصاح عنها، مشيرًا أنها تحدث فـــي الغالب على يد عمال مغاربة يفوقون الوافدات رُتبة. لكنه يعود ليؤكد أن الاعتداءات محدودة تماما ولا تتجاوز، أوضح 11 ألف امرأة جاءت، 20 حالة على أقصى إِحْتِرام. مصطفى وحسن، يؤكدان بدورها الكلام ذاته وإن كانا حذرين للغاية فـــي إعطاء الأرقام. كررنا على الثلاثة السؤال بطريقة أخرى: "هل شاهدتم، أو هل تعرفون بشكل مباشر، عاملة مغربية تعرّضت للاعتداء أو المضايقة الجنسية؟" الجواب: "هذا ما سمعناه فقط". واحد مـــن الثلاثة أكد معرفته بحالة عاملة، لكن قصتها مختلفة نوعاً ما، إذ صفعها رئيسها المغربي، ما دفعها إلى رفع شكوى بحقه.

حاولنا دخول بعض ضيعات الفراولة، لكن لم نتوصل بأي إذن مـــن مالكيها رغم إرسالنا لأكثر مـــن رسالة تطلب لقاءهم (نجحنا رغم ذلك فـــي التقاط بعض الصور)، بيدَ أن كبار منتجي الفراولة فـــي الإقليم، نشروا تصريحا مشتركاً قبل أيام أكدوا فيه أنهم أشعروا الســـلطات القضائية بما جرى نشره فـــي الصحافة، متحدثين عن أنهم لم يتوصلوا يوما بأيّ شكوى تخص اعتداءات جنسية فـــي الضيعات، وأنهم كانوا سيخبرون الســـلطات على الفور بأي شكوى ترِدهم، لأنهم "لا يتسامحون أبداً مع الجرائم الجنسية". وزارة التشغيل المغربية بدورها نشرت بلاغا قبل أيام قالت فيها إنها قامت بزيارة ميدانية لعدة حقول، ولم تعاين أيّ مضايقات!

يَحمل أوسكار رينا، الكاتب العام لنقابة العمال فـــي الأندلس SAT، رؤية مغايرة لما يجري فـــي الواقع: "هناك انتهاكات فـــي العمل. توصلنا بعشر شكاوى، اثنان منها يخصّان اعتداءات جنسية، بينما نعتقد أن الرقم الحقيقي للشكاوى قد يصل إلى مئة، إذ تم ترحيل الكثير مـــن العاملات اللائي حاولن التشكي" يتحدث لـDW عربية، مضيفاً أنه مقتنع بوجود تحرّش وابتزاز جنسي، حتى ولو كانت العاملات ينفين ذلك بالمطلق، لافتاً أنه التقى فعليا ببعض العاملات اللائي اشتكين فعلاً مـــن المضايقات.

لكن مصادر إسبانية أخرى متعددة تؤكد أن حالة الاعتداءات الجنسية قليلة للغاية، وهو ما تقوله جمعية " HUELVA ACOGE" التي تُعنى بقضايا الهجرة فـــي إقليم ويلفا، حيث صرحت ممثلة عنها لموقع publico قبل أسابيع أنها لم تجد أيّ حالة للاعتداء الجنسي فـــي الحقول، رغم زيارتها لعدد منها.

لم نحصل على كامل أجورنا

إن كانت قصص الاعتداء الجنسي محدودة حسب أكثر مـــن مـــصدر، فإن بعض العاملات اللائي التقين بهن لا يجدن غضاضة فـــي الاعتراف بمشاكل أخرى. ما لاحظناه انطلاقاً مـــن الشكاوى، أن الوضع فـــي ضيعات بلدة ألومنتي كـــان سيئا نوعاً ما مقارنة مع نظيره فـــي بلدة موغر، حيث صرّحت عدد مـــن العاملات أن ظروف عملهن جيدة، وأنهن يتوصلن بكل تعويضاتهن، كَذَلِكَ عُلِيَ الْجَانِبُ الْأُخَرَ عبرت عدد منهن عن ارتياحهن للمساكن التي منحت لهن، بينما لم تخف أخريات تبرّمهن مـــن طبيعة السكن المشترك الذي يضطرهن لمقاسمة الغرفة ذاتها مع نساء أخريات.

فـــي شوارع ألومنتي، التقنيا بعدد مـــن العاملات اللائي تذمرن مـــن تفاوت بسيط أوضح ما تم الإعلان لما كانوا فـــي المغرب، أي 37 يورو، وبين ما حصلن عليه حقا فـــي الحقول. عاملة مغربية كانت تبكي بحرارة، والسبب أنهم منحوها، كزميلاتها، بطاقة سحب تابعة لبنك مغربي، لكنها لا تسحب لها فـــي اليوم سوى 60 يورو، ولم يتبق لها فـــي اسبانيا غير يومين، بينما لا تزال تستحق حوالي 470 يورو، فضلاً عن أنها تضطر لركوب الحافلة كل يوم لأجل الوصول إلى الـــوكالة البنكية حتى تسحب مالها. سألناها لمَ لا تسحب مالها بالمغرب، فردت أن زميلاتها اللائي عدن فوجئن، أن الرصيد المالي غير موجود أو لم يتم تحويله بعد!

مجموعة عاملات أخريات كن يصرخن بقوة فـــي وجه قَائِد مغربي لم يمكنهن بعد مـــن أتعاب آخر شهر، خاصة وأنهن يحتجن المال لإرساله إلى أسرهن بمناسبة عيد الفطر. عاملات أخريات كشفن لنا أن مـــن جاءوا بهن وعدوهن بـــأن يعملن على الأقل ثلاثة أشهر فـــي إسبانيا، لكن كثيرات منهن لم يعملن سوى ما أوضح شهر وشهرين، ما يعني أن تعويضاتهن قلّت كثيراً، بل منهن مـــن نجحن فـــي الكاد باسترجاع النفقات، كمصاريف الجواز والتأشيرة وبقية الوثائق والتنقل إلى طنجة وما يحتجنه يوميا مـــن مواد غذائية.

لم يشرحوا لنا شيئا!

غياب المترجمين مشكل آخر تعاني منه جلّ العاملات، إذ لم يعرفن ماذا تضمنت عقود تشغليهن، كَذَلِكَ عُلِيَ الْجَانِبُ الْأُخَرَ أن منهن مـــن لا يدرين طريقة الإبلاغ عن ساعات العمل الإضافية، ممّا يتسبب فـــي ضياع تعويضاتها. أربع عاملات تحدثن لنا عن اكتشافهن لاقتطاعات تخصّ المبيت رغم أنه مـــن المفروض أن يكون مجانيا، واقتطاعات أخرى لا أحد شرحها لهم، كَذَلِكَ عُلِيَ الْجَانِبُ الْأُخَرَ صرحن أن هناك تفاوتات فـــي الأجر بينهن رغم عملهن للمدة نفسها، بل إن الأجر يختلف لكل واحدة منهن فـــي كل مرة رغم أنها تعمل دائما عدد الساعات ذاتها!

أربع عاملات التقينا بهن فـــي بلدة ألمونتي، اشتكين مـــن أن لا أحد تكفل بهن خلال المرض. واحدة منهم أخرجت لنا عدة علب دواء اشترته مـــن مالها الخاص بعدما أخبرها رئيسها المباشر أنه لا يمكنه مساعدتها. حسب حديثنا إلى عدد مـــن العاملات، فجلّهن لا يعرفن أين يوجد المستشفى وكيفية الذهاب إليه، ممّا يلزمهن بالصبر على المعاناة خلال المرض، كَذَلِكَ عُلِيَ الْجَانِبُ الْأُخَرَ لا يستطعن التوقف مؤقتاً عن العمل خوفاً مـــن اقتطاعات هُنّ فـــي غنى عنها.

مشاكل أخرى مـــن هنا وهناك بَيْنَت وَاِظْهَرْت عنها بعض العاملات، منها التعامل السيء لبعض الرؤساء، أغلبهم مغاربة، إذ لا يرؤفون بحال الكبيرات فـــي السن، بل إن رئيسة مغربية كانت تنتقد العاملات المغربيات بسبب رفضهن ارتداء ملابس عمل متحررة نوعاً كتلك التي ترتديها العاملات الرومانيات. غياب النقل لمركز المدينة لأجل التسوّق كانت شكوى مشتركة أوضح الأغلبية، إذ يضطررن بدورهن للاستنجاد بـ"الخطافة" حتى ينقلهن مـــن مساكنهن القريبة مـــن الضيعات إلى الأسواق القريبة.

يشير أوسكار رينا أن عقود العمل المؤقتة لا يتم احترامها فـــي الكثير مـــن الحالات، كَذَلِكَ عُلِيَ الْجَانِبُ الْأُخَرَ أن المشغلين لا يوفون بمدة العمل المحددة فـــي 3 أشهر، ولا بالتعويضات. النقابي ذاته انتقد بشدة طبيعة ظروف العمل "المؤسفة" وسكن العاملات (لم نصادف فـــي أيّ مسكن زرناه ما قاله بكون #مقصورة واحدة مـــن 10 أمتار تضم 6 عاملات على الأٌقل!)، متحدثاً عن أن العاملات يعانين مـــن "احتيال توّرطت فيه حكومتا المغرب وإسبانيا، إلى جانب منتجي الفواكه وكل مـــن يعلم بالوضع ولا يتدخل!"

نريد العودة مجدداً

"كنت أعمل فـــي نواحي بلدة بوسلهام المغربية بحوالي 50 درهما لليوم (حوالي 4,7 يورو). هنا فـــي إسبانيا، أوّفر خلال أسابيع ما يكفيني ويكفي ابنتي لأشهر فـــي بلدي"، تقول فاطنة، سيدة مطلقة، دون أن تخفي خشيتها مـــن إغلاق باب العودة إلى إسبانيا بسبب ضجة هذا العام، لدرجة أنها تفكر فـــي البقاء سراً فـــي إسبانيا. الخوف ذاته رأيناه فـــي أعين جلّ مـــن تحدثنا إليهن، إذ يؤكدن أنه بوسعهن الصبر على معاناة جني الفراولة وبقية الفواكه الحمراء وعلى الغربة وعلى الابتعاد عن أطفالهن وأسرهن، لأجل توفير تلك اليوروهات، خاصة وأن ظروف العمل فـــي الضيعات المغربية لا تختلف عن نظيرتها الاسبانية.

أياماً قليلة قبل عودتهن، تقف عشرات العاملات أمام محالٍ تجارية لابتياع سلع إسبانية يأخذنها معهن إلى قراهن بالمغرب. كل واحدة منهن تحمل حلماً بسيطاً، هذه التي تريد أن تجمع ما تبني به #مقصورة جديدة فـــي بيتها البسيط، هذه التي تريد أن تتكفل بنفقات ابنها الذي يعاني مـــن إعاقة، هذه التي تريد تمويل الدراسة الجامعية لابنتها حتى يكون لها مستقبل أكثر إشراقا، كثير منهن مطلقات أو أرملات، لا معيل لهن سوى عرقهن فـــي الضيعات. تتوّحد الكثير مـــن العاملات على إجابة كانت كالوصية ونحن نستعد للرحيل: "لم نختر هذه الحياة القاسية. لكن الظروف أقوى منا، فأرجوكم، اطلبوا منهم أن يتركونا نعمل بسلام!".

إسماعيل عزام – ويلفا (جنوب إسبانيا)

المصدر : وكالة أنباء أونا